الثالث: أن يتوكل على شخص على أنه نائب عنه على أن المتوكل فوضه، كتوكل بعض الناس على وكلاء البيع والشراء والخصومات ونحوها مما تدخله النيابة، فهذا جائز، وقد وكّل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه على شيء من أموره.
الرابعة: التوكل من أجمع أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة فإنه إذا توكل على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل من سواه صحّ إخلاصه ومعاملته مع الله، ولذا أمر الله به في غير آية من كتابه، بل جعله شرطًا في الإيمان والإسلام كما في قوله: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84] ، فدلّ على انتفاء الإيمان والإسلام بانتفائه، قال شيخ الإسلام - رحمه الله: «وما رجا أحدٌ مخلوقًا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه شرك» .
34 -باب
قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] .
وقوله: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] .
وعن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الكبائر فقال: «الشرك بالله، واليأسُ من رَوْح الله، والأمنُ من مكر الله» .
وعن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمنُ من مكر الله، والقُنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله. رواه عبدالرزاق.
الفوائد على الباب:
الأولى: أراد المؤلف رحمه الله أن يبيِّنَ أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب المنافية لكمال التوحيد الواجب، وأنه دليل على ضعف الإيمان، فإن من أمِنَ مكر الله لم يبال بماترك من الواجبات ولا بما فعل من المحرمات لعدم خوفه من الله تعالى.
الثانية: أ- القنوط من رحمة الله هو الظن بالله أن لا يغفر الذنوب مع التوبة.