وأما قول بعضهم: إنْ كان مرفوعًا فَلِمَ لا يقولون فيه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ -.
فجوابه: أنهم تركوا الجزم بذلك تورُّعًا واحتياطًا [1] ، ومِن هذا قول أبي قِلابة [2] عن أنس: (( مِن السُّنَّة إذا تزوجَ البكرَ على الثيب أقام عندها سبعًا ) )أخرجاه في الصحيح [3] .
قال أبو قِلابة: (( لو شئتُ لقلتُ: إن أنسًا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ). أَيْ: لو
(1) ليس هذا هو الظاهر؛ إذْ لو كان الاحتياط في نسبةِ ألفاظٍ معيّنةٍ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكان مقبولًا، أمّا في نسبة الفعل فأيُّ تورّعٍ وأيّ احتياطٍ في هذا! يكفي أنه نسب الفعل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأي لفظٍ كان؛ فإنّ معناه عنده هو نسبته وعزوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! ! . بل الجواب الصحيح هو: أنهم عبَّروا عن المعنى بلفظٍ آخر واصطلاحٍ آخر يؤدّي معناه، وقد استخدموا تلك الألفاظ المؤدّية للمعنى، وأطلقوها على الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جزمًا، كما هو واضحٌ، مثلًا، مِن روايةِ سالمٍ هذه، التي صَرّح فيها جازمًا، لمن سأله، بأن المقصود سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو تنويع وتفنن في الرواية، ليس إلا.
(2) هو عبد الله بن زيد الجَرْمي، البصْري، ثقة فاضل، كثير الإرسال، هرب من تولي منصب القضاء، ت 104 هـ، حديثه في الكتب الستة.
(3) في نسخةٍ:"الصحيحين". والحديث أخرجه البخاري برقم 5214، النكاح، قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَخَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وَقَالَ عَبْدُالرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ وَخَالِدٍ .. قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -. وهو عند مسلم برقم 1461، الرضاع.