لا يخفى أن التقدم على صاحب القرآن افتيات عليه، وتعد لحقه، لأنه أحق بالإمامة من غيره، ما لم يكن المتقدم إمام المسجد فهو أحق ولو كان خلفه من هو أحفظ منه وأعلم، لكن الحديث هنا لو تأخر الإمام، أو كان المسجد بلا إمام أصلًا، أو كان هناك مجموعة من الناس مجتمعون لسفر أو نزهة أو ما شابه ذلك، وحان وقت الصلاة، وتقدم أحدهم وفيهم من هو أفضل منه قرآنًا، فالصحيح في المسألة أنه يُكره أن يتقدم أحد على من هو أحفظ منه، فإن فعل وتقدم فالصلاة صحيحة مع الكراهة، أي أنها ناقصة الأجر، لحديث:"إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال" [حديث ضعيف] .
لكن لو لم يتقدم صاحب الحق وأسقطه جاز أن يتقدم غيره، وصحت الصلاة بلا كراهة [حاشية الروض لابن قاسم 2/ 306] .
الجهر بالنية خفة في العقل، وسفه في الفهم، واستهتار بعظمة الله جل جلاله، إذ يقول سبحانه وتعالى:"قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض" [الحجرات] ، فإذا كان الله عز وجل يعلم أنك لم تتوضأ إلا لصلاة معينة، فكيف تخبره في صلاته، وتقول: نويت أن أصلي فرض كذا، جهرًا أو سرًا، مع الإمام، أو كلامًا شبيهًا بذلك، أليس في هذا إشعارًا بأن الله عز وجل لا يعلم ما في القلوب، والله تعالى يقول:"والله يعلم ما تسرون وما تعلنون" [النحل 19] ، وقد روى أن الصحابة قالوا يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله هذه الآية:"وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان" [البقرة] ، وفى الصحيح أنهم كانوا في سفر، وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، بل تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" [متفق عليه] .
قال في كشاف القناع:"ويكره الجهر بالنية وتكرارها، قال الشيخ تقي الدين: اتفق الأئمة على أنه لا يُشرع الجهر بها وتكريرها، بل من اعتاد ذلك الأمر ينبغي تأديبه، وكذا بقية"