ولو فكر الإنسان بعقله قليلًا لتدبر الحقيقة، ووقف عليها، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذ بها، فهل يمكن للإنسان أن يعمل عملًا وهو لم ينوه بقلبه من قبل؟ لا، لا يمكن ذلك، فمثلًا إذا أردت أن تزور صديقًا لك، فهل تقول نويت أن أزور فلان، في بيته الواقع في الحي كذا، في الساعة كذا، بسيارتي أو على قدمي، ثم أعود من عنده في الساعة كذا، لو سمعك أحد وأنت تقول ما قلت لحسبك مجنون، فأنت عندما تزور فلان من الناس، قد بيت النية في قلبك مسبقًا لزيارته، فلا حاجة للجهر بالنية.
وعندما تريد الذهاب إلى عملك، هل تنوي بلسانك أنك ستذهب إلى العمل، لا، إذن لا تتلفظ بالنية في العبادة فهي من باب أولى، لأنك عندما تسمع المؤذن يؤذن لصلاة الظهر مثلًا، فإنك على الفور تقوم وتتوضأ استعدادًا لأداء صلاة الظهر، والله عز وجل يعلم أنك لم تتوضأ إلا لأداء تلك الصلاة التي توضأت من أجلها، فما الحاجة لأن تتلفظ بالنية.
وما قيل في حق الإمام من عدم الجهر بالنية، فالمأموم من باب أولى، وكذلك المنفرد، ويدخل في ذلك الرجال والنساء.
ربما زار أحدهم أخًا له، أو صديقًا، فصلوا لسبب ما في بيت المزار، فلا يجوز للزائر أن يتقدم على صاحب المنزل في الإمامة، لا من تلقاء نفسه، ولا لو قدمه أحد الحاضرين، لأن الرجل صاحب المنزل أحق بالإمامة من غيره، ولو كان غيره أعلم منه، وأقرأ منه.
ولو جاء أحدهم إلى مسجد، وللمسجد إمام، فلا يجوز له أن يتقدم بين يدي الإمام، لأن الإمام أحق بإمامة مسجده من غيره.
وكذلك لو زار أحدهم أناسًا في قرية، فلا يجوز له أن يصلي بهم، بل يتقدم واحد منهم ليصلي بهم.
ويجمع ذلك كله هذه الأحاديث:
قال صلى الله عليه وسلم:"ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" [أخرجه مسلم] ،
وفي رواية لمسلم:"ولا يؤمن الرجل في أهله ولا في سلطانه".