فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 113

عائشة - كما يروي عنها البخاري - «إنما نزل أول ما نزل منه [أي من القرآن] سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام؛ نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا. لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا» .

لأجل هذا، فإن الله الذي يعرف ضعفات خلقه؛ لا يكلفهم العنت والمشقة، بل يدرج لهم أحكامه، لينتقل بهم من حال إلى حال، حتى إذا تربت أنفسهم، وخرجت من إلفها نزل حكمه النهائي الذي سيجد محلًا للتطبيق في واقع الناس، فنزل تحريم الخمر على مراحل، لا لأن الله لا يعلم أنه سيحرم الخمر .. أبدًا أبدًا، بل لأن الله يربي المؤمنين به، فينتقل بهم من أمة معاقرة للخمر إلى أمة طاهرة مجتنبة لدنسه، فأشعرهم أولًا بأن الخمر كثير المضار، من غير أن يحرمه عليهم، فقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (البقرة: 219) ، فتركها عقلاء الناس، وأدرك الجميع ضررها، فانتقل بهم إلى مرتبة ثانية، وهي منعهم من معاقرتها قريبًا من وقت الصلاة: فتضايق عليهم وقت شربها {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (النساء: 43) ، فلم يعودوا يقدرون على شربها إلا بعد العشاء، وهو وقت نومهم، أو بعد الفجر، وهو وقت أعمالهم.

وأحس الصحابة أن الله يشدد عليهم في الخمر، فدعا عمر رضي الله عنه الله فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (المائدة: 90 - 91) ، فدُعي عمر، فقُرئت عليه، فقال: «انتهينا انتهينا» .

إذًا الله يعلم أنه سيحرم الخمر قبل أن يخلقنا ويخلق الخمر وشاربيها، وتدرجه في تحريمها حكمة منه ورحمة، وليس جهلًا أو قلة معرفة، كما يتبدى لمن جهل مقام الله تعالى وسابق علمه المحيط، ومثال هذا الطبيب الحاذق الذي يصف الدواء لمريضه، ثم يغيره بعد أسبوع، لا لأنه جاهل بالطب وبخصائص الأدوية، بل لتمام معرفته بها، ومعرفته بتقدم حالة مريضه العلاجية، ومراعاة مصالحه، أفيحسن بمثلي ومثلك أن يقول عن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت