الصديق العزيز جرجس، تحية طيبة، وبعد.
فقد كنت أود أن أنتظر بقية إجاباتك قبل أن أرد عليك، لكني وجدت متسعًا لجوابك، فقلت لا بأس بتعجيله.
أود بداية أن أصحح لكم بعض المفاهيم الخاطئة جدًا:
يظن جنابكم أن ترتيب الآيات في النزول كترتيبها في المصحف، ولا يدري جنابكم أن آخر آية نزلت في القرآن في سورة البقرة التي في فاتحة المصحف، وأن أول آيات القرآن في سورة العلق في آخر المصحف، فكون الآية بعد منسوخها بآية أو عشرة لا علاقة له بزمن تنزلها، فقد يكون بينهما من الزمن ما يقارب عشر سنوات.
هل تعلم يا صديقي أن المثال الذي ذكرتَه مقلوب وعكس ما تقول، فالآية الناسخة متقدمة في المصحف على الآية المنسوخة، ودعنا نرى ذلك، فالآية المنسوخة هي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، ورقمها 240 من سورة البقرة، وأما الآية الناسخة لها فرقمها 234، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ، أي الناسخة وردت في المصحف قبل المنسوخة.
ولو فرضنا - غلطًا - أن ترتيب نزول آيات القرآن كترتيبها في المصحف، وأن بينهما بضع سطور، كيف يخطر ببالك أن كاتب هذا الكتاب (لو كان من البشر) لم يتنبه إلى ما تنبهتَ إليه؟ هل تراه من السذاجة لكي لا يتنبه لها وهو يقرأ القرآن في كل يوم على أصحابه؟ أما كان يجدر به حذفها حتى لا يطلع عليها جنابكم؟ لماذا لم يحذفها المسلمون من بعده وتركوها ليطلع عليها مسيحي يعيش في القرن الواحد والعشرين؟
من المؤكد لي أن فرحك سيتضاعف إذا علمتَ أن في الناسخ والمنسوخ ما توالى مباشرة في أي القرآن، كما في سورة الأنفال في الآيتين (65 - 66) : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ