الصديق الغالي جرجس، تحية طيبة، وبعد.
بداية لا ريب أن قدراتنا اللغوية أضعف بكثير من درجة الفصاحة والبلاغة، وهو ما يجعل بعض الكلمات مستعجمة علينا، لأننا أعاجم في مسلاخ عرب، فيصعب علينا الكلام الجزل؛ كالذي في القرآن أو في أشعار العرب الجاهليين، ولذا لا يصح وصف ما لا نفهمه بالطلاسم، لأن العلة فينا، فأنا وأنت وكثيرون من أعاجم العرب اليوم هم (طلطميس) ، وليس ما يقرؤونه (طلاسم) ، فقد وصف الله القرآن بأنه نزل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء: 195) .
بداية وقبل أن نشرع في هذا الموضوع أود أن أسدي إليك رابطًا لكتاب لي موضوعه الشبهات والأباطيل المثارة حول القرآن الكريم
في جوابك على السؤال: من صاحب هذا القرآن، أجبت بأن هناك آيات منسوخة 247 ما تزال في القرآن، وهي من الشيطان كما جاء في نص صريح، وكنت قد تساءلتَ بأدب جم: هل هذا المنسوخ من الشيطان؟
وأجيبك: المنسوخ هو آيات كريمات أنزلها الله على نبيه، ثم شاء أن يرفع حكمها عن عباده، وله في ذلك الحكمة البالغة.
وقد أكد الله أن المنسوخ من عنده لا من الشيطان، فقال: {مَا نَنسَخْ مِنْ آية أو نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أو مِثْلِهَا} (البقرة: 106) ، فاعتبر المنسوخ (آية) ، ولم يعتبره من الشيطان، فهذا جواب قولك: (توجد جمل كثيرة في القرآن تم نسخها، فهل يعني ذلك أن هذه الجمل من الشيطان؟) .
أما المثال الذي ضربتَه عن تحويل القبلة، فقد أمر الله نبيه بالصلاة، فصلى باتجاه بيت المقدس، وهو المسجد المبارك الذي بناه إسحاق عليه السلام، وتعبَّد فيه الأنبياء والمؤمنون من بعده، فاستقبله بالصلاة بأمر من الله تعالى، لأن الله قال له: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} (البقرة: 143) ، فتأمل قوله: {جَعَلْنَا} ، لترى أن الله هو من جعل هذه القبلة، وليس الشيطان، وبقي المسلمون يصلون إلى بيت المقدس أربع عشرة سنة، فلم يقل له الله يومًا بأن هذا من أمر الشيطان فاتركه.