الصديق جرجس، تحية طيبة، وبعد.
بداية، أود أن أؤكد لك أنَّا لسنا في باب المقارنة بين الكتاب المقدس والقرآن، بل نحن نتحدث عن موثوقية القرآن فحسب، لكن أحيانًا يلجأ المحاور إلى اثبات فكرة ما من الكتاب الآخر، من غير أن يريد المقارنة بين الكتابين، وقد يبحث عن بعض المعاني في كتاب الآخر، لا لنقدها بالضرورة، ولا للمقارنة، بل لاستكشاف ما لدى محاوره من فكر ومصطلحات وتفسير.
يرى جنابكم أن «السيد المسيح جاء بشريعة الكمال، وأما التوراة فأصبحنا غير ملزمين بها» ثم تكمل فتقول: «وهذه دراسة أخرى عما نتناقش فيه» ، وهذا القول عكس الحقيقة بالتمام، فالموضوع - برأيي- هو نفس الموضوع، لكن المشكلة هنا فقط في التسميات، فما نسميه (ناسخ ومنسوخ) ، هو وفق كلام بولس في رسالة أفسس (مبطِل ومبطول) ، أو وفق عبارتك (ملزم وغير ملزم) ، لكن الموضوع واحد، لأنه باختصار: أن الله ينزل حكمًا من عنده، ثم ينزل حكمًا يلغيه.
لذلك دعنا من المصطلحات، ودعنا نبحث عن الحكم (الملزِم، الناسخ، المبطِل) ، والحُكم الذي جاء قبله، ثم لم يعد مطلوبًا (غير ملزم، منسوخ، مبطَل) ، هل في دينكم شيء من هذا؟
وأجيبك: نعم، أمر الله في العهد القديم بالعمل بـ 615 حكمًا توراتيًا، كالسبت والختان وتحريم الخنزير، وأنتم ترون أنها (غير ملزمة) ، وهو ما نسميه نحن بـ (المنسوخ) ، وهي الكلمة التي يتكهرب منها أصدقائي النصارى، لذلك سأخفف من استخدامها، لأستخدم الكلمة الكتابية (مبطل) أو الكلمة المخففة التي اشتققتَها (غير ملزم) .
وعليه أستطيع أن أقول لك: (النبي محمد صلى الله عليه وسلم جاء بشريعة الكمال و 22 آية من آيات القرآن أصبحنا غير ملزمين بها) ، هل رأيت مدى التطابق بين موضوعينا؟
لقد أعجبني اقترابك مني بموافقتي على أن الله قد يصدر أمرًا، ثم يصدر أمرًا يغايره لحكمة يراها كـ (الارتقاء بالإنسان) ، وأن هذا لا يدل على أن الأمر الأول من الشيطان، ولا يدل على جهل الرب أو تناقضه، كما في قصة الطلاق الذي كان حرامًا ثم صار مباحًا ثم عاد حرامًا، ووفق كلامك: (فارتقى بالإنسان من وصية الطلاق إلى وصية .. أي أرجع