متتاليتين؟ ألا يمكن أن يكون الكاتب مدركًا أن الحكم الأول منسوخ، ثم لم يجد حرجًا من إبقائه في القرآن الكريم، لتعرف الأمة منزلة نبيها وفضله عند ربها؟
ومن أسباب وحِكم النسخ الابتلاء، أي أن الله يبتلي عباده بتكليفهم ما يشق عليهم، ليظهر صدق إيمانهم، وهو يعلم أنه سيخفف عنهم ويرفع هذا الإصر، كما في قصة الذبيح التي في كتابكم، فقد أمر الله إبراهيم بذبح ابنه ابتلاءً واختبارًا، وهو يعلم أنه سيخفف عنه هذا الحكم إلى ذبح كبش فداء له، فالأمر الأول منسوخ بالثاني، وعلته الابتلاء، ولن يقول أحدهم بأن الله كان يتناقض في أوامره.
ومثل هذا في موضوع تغيير القبلة، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} (البقرة: 143) .
مرة أخرى تخبرني أن السيوطي يقول بأن عدد الآيات المنسوخة 247، وقد نقلت لك بالتوثيق من كتاب السيوطي أنها عشرون آية فقط، وأنت مصرٌّ على أنه قال 247، فأرجو منكم أن تخبرني أين قال السيوطي ذلك؟ هل المسألة عناد؟ أم أن التهويل في المسألة مقصود، لأن الرقم 20 لا يرضي ضميركم؟.
ويظن جنابكم أن وجود رواية ما في كتاب للسيوطي أو غيره؛ يعني أنه يقبل الرواية، ويعتمدها، ولا يدري جنابكم أن الأولين من المسلمين كان منهجهم سرد كل الروايات التي تصل إليهم في المسألة؛ ولو كانت الرواية ضعيفة أو موضوعة لا يعتد بها عندهم ولا عند غيرهم، فقد كانوا يوردون أسانيد هذه الأخبار، ليعلم قارئها ضعفها، وما دروا أنه سيأتي زمان تطبع فيه هذه الكتب، فيتناقلها عوام الناس ودهماؤهم الذين لا يفرقون بين صحيح وموضوع، وقد يظن البعض أن كل ما فيها يعتقده مؤلفوه، فيلزمهم بها، ويلزم المسلمين بها.
يا صاحبي، المسلمون لا يلتزمون إلا بالرواية الصحيحة والحسنة، وما عدا ذلك مردود على أصحابه، وكما يقول إخواننا المصريون: (بله واشرب ميته) .
هل تراني محقًا لو استشهدت عليك بأناجيل الأبوكريفا التي لا تؤمن بها؟ هل تقبل هذا مني لو فعلته؟ لا أظنك تقبله، لذلك لم استشهد عليك إلا بما تعتقد صحته، ورجائي أن لا تستشهد على إلا بما أعتقد صحته.
بخصوص ما نسبته إلى السيوطي، فهاكه: أخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن