فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 113

الطبيب «عيل صغير حتى يخبر بكلام أفضل أو ينسخ، أي يتراجع عن كلامه» ، لو حصل هذا؛ لكان القائل محلًا لسخرية العقلاء، بل وتندر السفهاء، وأربأ بك صديقي جرجس عن هذا المقام.

معنى قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (البقرة: 106) :

وأما سؤالكم الثالث عن تفاوت آيات الله في خيريتها، فأقول: لا تفاوت فيها من جهة أصلها، فمثلًا نحن لا نفرق من جهة الإيمان بين توراة الله وإنجيله والقرآن، فكلهم كلام الله، ومن تنقص شيئًا منه فقد كفر؛ لأن الكل من عند الله.

وأرجو أن تتذكر أني لا أتحدث عن توراتكم وإنجيلكم، إنما أتحدث عن توراة الله وإنجيله.

وهذه الآيات تتفاوت في خيريتها من جهة مصلحتنا، فآية {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} (النساء: 43) خير ولا ريب، وهي الخير الأعظم لنا في زمن معاقرتنا للخمر، حيث لن نستفيد من آية تحريمها حينذاك، فلما تربت أنفسنا أنزل الله ما هو أخير لنا منها، وهو قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة: 90) ، فالآية الأولى خير، والثانية أخير منها، لذلك يقول الله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (البقرة: 106) ، قال الصحابي ابن عباس: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.

وبالمناسبة تلحظ فيما سبق تعظيمًا للآية المنسوخة ولحكم الله المؤقت الذي فيها، ولا تجد مثل هذا التعظيم في كتبكم التي تتعامل مع الكتب المنسوخة بازدراء غريب، هل سمعتَ كاتب رسالة العبرانيين المجهول وهو يقول عن ناموس الكهنوت التوراتي: «وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال» (عبرانيين 8/ 13) ، ويزدريه متهمًا إياه بالعيب: «فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب، لما طُلب موضعٌ لثانٍ» (عبرانيين 8/ 7) ، ولتدارك هذا العيب والضعف في العهد القديم؛ فقد أنشأ الرب عهدًا جديدًا يجعل الإيمان بالمسيح المصلوب طريقًا للنجاة، ويقول: «فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئًا، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل، به نقترب إلى الله» (عبرانيين 7/ 18 - 19) .

وأما رابعة الأثافي فتأتينا من العهد القديم الذي يصف أحكام الله بأنها غير صالحة، ففي سفر حزقيال: «وأعطيتهم أيضًا فرائض غير صالحة وأحكامًا لا يحيون بها» (حزقيال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت