كما يقول جنابكم عن منسوخات القرآن؟ أم له اسمًا آخر؟ أريد أن أعرفه، لأني كما أخبرتك لم أعد أُصرُّ على اسم (النسخ) الذي يثير حفيظتك.
ولما بدأ سعادتكم في إثبات أن النسخ تناقض، ذكرتَ آيتين تراهما متناقضتين، وهذا مبحث لا علاقة له بالنسخ، لأن أحدًا من العلماء أو العقلاء قبلك لم يقل بأن هذا من أمثلة النسخ، بل هو مما يسميه أصدقائي النصارى (تناقضات القرآن) ، وسأجيب عنه مع أنه لا نسخ فيه.
والسؤال الذي بين يدي: (فهل كاتب القرآن مبدِل لكلامه أم غير مبدِل لكلامه ... أرجوك، أعلمني بذلك) والجواب: أن الله يبدل كلامه بكلام آخر مراعاة لمصالح خلقه أو وفق عبارتك (مرتقيًا بالإنسان) ، وهو يعلم أزلًا أنه سيغيره، كما ضربت لك المثل بالطبيب الحاذق، وبقصة إبراهيم مع ابنه الذبيح، فقد أمره بذبح ابنه، ثم أمره بإطلاقه، فبدَّل قوله الأول بالقول الثاني، وهو يعلم منذ الأزل بما سيأمر به وما سيكون.
لكني أسألك عن جملة شخصية: يقول منقذ: عندي كتاب اسمه (هل العهد القديم كلمة الله؟) وهذا الكتاب لا مبدِل لما ذكرته فيه! هل تفهم أن هذا معناه: أنه لا يجوز لي تبديل شيء مما في كتابي؟ أم أني أمنع الآخرين منه، أنتظر جوابك.
وريثما يأتيني الجواب أقول: هل قرأت في القرآن أن الله لا يبدل كلام نفسه بكلام آخر إذا شاء؟ لا، فهذا غير موجود في القرآن البتة، فالقرآن يقول: {وَإِذَا بَدَّلْنَا} ، فيثبت أن الله يبدل ما يشاء، ولكنه ينفي أن يقدر الخلق على تبديل قرآنه، فيقول: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ - وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} (الأنعام: 114 - 115) ، فمن ذا الذي يقدر على تبديل كلامه، وهو القائل عنه {لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} (فصلت: 42) ؟.
ولذلك فإن قوله: {لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} نفي لقدرة البشر على تبديل قرآنه، بينما للرب أن يبدل ما يشاء كما في عبارتك (مرتقيًا بالإنسان) .
وهنا أستذكر سؤالًا كنتُ سألتك إياه، ولم تجبني عنه: (هل ترى أن الله عاجز عن تخفيف حكم حكمه من قبل، وقد سبق في علمه أنه سيخففه؟ هل يقدر الرب القادر على ذلك أم أنه لا يقدر؟) .