والسؤال بطريقة أخرى: هل يقدر الله بعد أن ألزم المؤمنين بالتوراة أن يرفع إلزامه عنهم؟ أم لا يقدر؟ يهمني جوابكم.
ثم عدتَ من جديد إلى القول بأن النسخ يعني تغيير المرجعية من الله إلى الرسول، وجوابه: {بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} (النحل: 101) ، {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} (البقرة: 106) ، فالمبدِّل والناسخ هو الله؛ لا الرسول، فالرسول لا يقدر على تغيير حرف واحد، {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} (الحاقة: 43 - 47) ، فمن الذي قال لك أن (الخالق كان مقررًا في لوحه المحفوظ قبل الخليقة أن يكون هو المرجعية للبشر؟ أم يخلق إنسانًا ويكون هو المرجعية وينفي عن نفسه الصفة الخالدة له في الإنجيل والتوراة أنه خلقنا له، ونحن له نرجع، ونطلب منه الفهم) ؟ من قال لك هذا الكلام الهراء؟
وبدلًا من الاعتذار لابن الجوزي عما نسبته إليه خطأً؛ تقول: (قال ابن الجوزي: إنهم 247، وأنت صححت لي المعلومة: إنهم 22 فقط) .
وأقول: لم يقل ابن الجوزي أبدًا: إنهم 247، بل قال (22) فقط، وقدر ردَّ الإمام على كل الجمل التي ادعى فيها البعض النسخ، فبين لهم خطأهم في القول بمنسوخيتها، وفعل مثله السيوطي الذي قال بأنها (20) فقط.
وأما الخمسين جملة التي تدعي نسخها بالآية 29 من سورة التوبة، فهي واحدة من تلك الدعاوى التي تفتقد إلى البرهان، إذ لا يجوز القول بمنسوخية آية بلا دليل، ودعني أنقل لك هنا ما قاله الإمام ابن حزم: «فإذا اجتمعت علماء الأمة كلهم بلا خلاف من واحد منهم على نسخ آية أو حديث، فقد صح النسخ حينئذ» ، وهكذا فتلك الأقوال التي لا أزمَّة لها بنسخ آية هنا أو هناك؛ مردودة على أصحابها، ولا يَعتدُّ بها إلا من أراد التعلق بالأوهام، فحينئذ يقول القائل ما يقول.
وهذا ما ينطبق على من زعم أن عدد الآيات المنسوخة 247 آية، أو أن آية التوبة نسخت 50 آية أو 200 آية، فهل تستطيع يا صديقي أن تثبت لي منسوخية الخمسين جملة التي ادعيت نسخها بآية سورة التوبة وفق الشرط الذي وضعه ابن حزم؟ أي إجماع العلماء على أن هذا نسخ.
فإن لم تجده، فاعلم أني لا أؤمن أن آية سورة التوبة قد نسخت هذه الآيات، ولا