فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 113

فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال: 65 - 66) ، فقد أذن الله للمسلمين بقتال عشر أضعافهم من المشركين، ثم خفف الله عنهم، فأذن لهم بقتال ضعفهم فقط، فهل تراه نسي الكاتب الآية السابقة المنسوخة وهو يقول: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ} ، فاكتشفها أحد أبناء هذا الزمان؟ أم أنه يدري بها، ويقرأها ويقرأ ناسخها؟! فلو كنتَ ممن يعتقد أنه تناقض وتلخبط، فإن هذا المثال أفضل لك من الأمثلة التي ذكرتَها وأقوى.

وحتى لا تظنن يا صاحبي أن اكتشاف موضوع الناسخ والمنسوخ جديد، فإني أقول لك بأن اليهود على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أثاروا هذه الشبهة، ورغم ذلك لم يحذف الرسول المنسوخ من القرآن، ولا تحرج منه.

الناسخ والمنسوخ يجريان وفق علم الله القديم، لذلك رد الله على الطاعنين فيه قبل أن تولد بألف وأربعمائة سنة فقال: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ} (الرعد: 39) ، أي الآية الناسخة معلومة عنده في أم الكتاب، كما رد الله على الطاعنين بالنسخ بقوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} (النحل: 101) ، هلا تأملت قوله بأنه أعلم بما ينزل، فالنسخ من كمال علم الله، وليس تناقضًا أو تخبطًا كما تظن.

لا ريب أن السبب الأساس للنسخ هو التدرج، وهذا لا يمنع وجود أسباب أخرى لربما لم أتعرض لها، ويحسن أن أذكر لك واحدًا منها، ولعلك سترى فيه أنموذجًا آخر صارخًا في التخبط الذي تدعيه، فقد جاء في سورة المجادلة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ - أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المجادلة: 12 - 13) ، فالآية الأولى تأمر الغني بتقديم صدقة لله تعالى إن أراد الحديث مع النبي، وهو حكم شرعي لم ينفذ إلا مرة واحدة، ثم أنزل الله نسخه في الآية التي بعدها، والتي نزلت في نفس اليوم، وذلك لتبيان شرف النبي عند الله، وأن لقياه والحديث معه نعمة كبيرة من الله، تستحق أن يشكرها العبد، فلعل جنابكم يفرح بهذا المثال، ويراه دليلًا صارخًا على التناقض الذي وقع فيه مؤلف القرآن!

وهنا أتساءل: هل تراه نحتاج إلى ألمعي لنكتشف هذا التناقض المزعوم بين آيتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت