فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 113

أطردهم إليهم.

فقلت: آه يا سيد، الرب، ها نفسي لم تتنجس، ومن صباي إلى الآن لم أكل ميتة أو فريسة، ولا دخل فمي لحم نجس، فقال لي: انظر. قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الإنسان، فتصنع خبزك عليه» (حزقيال 4/ 12 - 15) ، فهذان أمران إلهيان في صفحة واحدة من الكتاب، نسخ الثاني منهما الأول، وليس بينهما أي فارق زمني، فالحكمة من النسخ هنا هو التخفيف والرحمة، مع أني لا أرى أي رحمة في استبدال خثي البقر بخرء الإنسان، أما كان الله يعلم أنه سينسخ هذا الأمر قبل أن ينفذه حزقيال؟ أم كان الأمر الأول من الشيطان كما يقول صديقي جرجس؟.

ولنأخذ مثالًا آخر، وهو ما جاء في سفر حزقيال، حيث ينعي الرب على بني إسرائيل أنهم عملوا بشرائع الأمم الوثنية المجاورة، فيقول: «أنا الرب الذي لم تسلكوا في فرائضه، ولم تعملوا بأحكامه، بل عملتم حسب أحكام الأمم الذين حولكم» (حزقيال 11/ 12) ، ولكنه ينقضه أو ينسخه أو يلغيه أو يبطله في السفر نفسه، حين يذكر أنهم لم يعملوا بشرائع الأمم الذين حولهم، فيقول: «لم تسلكوا في فرائضي، ولم تعملوا حسب أحكامي، ولا عملتم حسب أحكام الأمم التي حواليكم» (حزقيال 5/ 7) ، فهذان خبران متخالفان يعودان لنفس الفترة الزمنية، وبينهما في الكتاب المقدس خمس صفحات فقط، مع العلم أنا نحن المسلمين لا نجيز النسخ في الأخبار، ونعتبره من التناقض، وأننا نجيز النسخ فقط في الأوامر الإلهية.

ولأن الأمثلة لا تنتهي فإني سأختم بهذا المثال، حيث يقول سفر إشعيا: «في تلك الأيام مرض حزقيا للموت، فجاء إليه إشعياء بن آموص النبي، وقال له: هكذا يقول الرب: أوص بيتك، لأنك تموت ولا تعيش، فوجّه وجهه إلى الحائط وصلى إلى الرب .. ولم يخرج إشعياء إلى المدينة الوسطى حتى كان كلام الرب إليه قائلًا: اذهب، وقل لحزقيا: هكذا يقول الرب إله داود أبيك: قد سمعت صلاتك، قد رأيت دموعك، ها أنذا أضيف إلى أيامك خمس عشرة سنة، ومن يد ملك أشور أنقذك وهذه المدينة، وأحامي عن هذه المدينة» (إشعيا 38/ 1 - 6) ، فقد أخبره الله حزقيا أنه سيموت، ثم قبِل صلاته ودموعه، فنسخ الخبر، وزاده في العمر خمس عشرة سنة، وليس بين الأمرين كبير وقت.

ومرة أخرى أنبهك إلى أن مثل هذا النسخ لا يوجد في القرآن، فالنسخ عندنا في الأخبار ضعف ننزه الله عنه، وإنما النسخ يكون في الأوامر الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت