هي ما تسميه (التطور الروحي) ؟ هل قلتُ لك هذا من قبل؟
دعني أنقل لك ما قلته لك في هذا الخصوص، لترى أني لم أتحدث أبدًا عن هذا الذي اسمه (التطور الروحي) ، فقد قلت لك: (فالأمر الأول منسوخ بالثاني، وعلته الابتلاء .. ومثل هذا في موضوع تغيير القبلة، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} (البقرة: 143) .
لكنك ترفض الاعتراف بعلة الابتلاء والاختبار، وترى أن الأمر متعلق بأن النبي توجه إلى بيت المقدس تألفًا لليهود، ثم لما عاداهم، وعجز عن دعوتهم ترك قبلتهم، وبخاصة بعد أن ذبح بني قريظة، فكره أن يصلي إلى قبلتهم.
ثم لما كان بين الأمرين مدة أربع عشرة سنة فقط، وهي لا تماثل الآلاف التوراتية؛ إذًا لا يسوغ - برأيك - هذا التغيير، لأنه لا يوجد (تدريب وتطور روحي) في حياة النبي أو المسلمين يستدعي هذا التغيير .. فمنشأ هذا اللبس برأيي أنك لا ترى إلا حكمة واحدة .. ثوب واحد بمقاس واحد، وتريد أن تلبسه في كل الحالات .. ولو أدركتَ ما قلتُه لك سابقًا في تعدد الحِكم الإلهية لما قلتَ ما قلت.
وها أنذا أنقله لك بطوله، لتعلم أنك لم تقرأه، أو قرأته ولم تفهمه، أو أنك لا تريد أن تفهمه: (ومن أسباب وحِكم النسخ الابتلاء، أي أن الله يبتلي عباده بتكليفهم ما يشق عليهم، ليظهر صدق إيمانهم، وهو يعلم أنه سيخفف عنهم، ويرفع هذا الإصر، كما في قصة الذبيح التي في كتابكم، فقد أمر الله إبراهيم بذبح ابنه ابتلاء واختبارًا، وهو يعلم أنه سيخفف عنه هذا الحكم إلى ذبح كبش فداء له، فالأمر الأول منسوخ بالثاني، وعلته الابتلاء، .. ومثل هذا في موضوع تغيير القبلة، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} (البقرة: 143) ، أي ابتلاء واختبارًا للناس، هل يتبعون الرسول في ذلك، أم ينكلون عن طاعته لأنه أمرهم بغير هواهم.
قال ابن عباس: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} (البقرة: 143) أي: «ابتلاء واختبارًا» .
وروى الطبري بإسناده عن ابن عباس، قال: «لما صرفت القبلة عن الشام، إلى الكعبة، وصرفت في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن