فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 163

فالإسلام يقوم في الحقوق والواجبات على مبدأ العدل لا على مبدأ المساواة، وفي بيان الواقع على ما هو الحق في واقع الحال لا على التسوية مطلقًا وإن كان الواقع متفاضلًا، فلا يمكن أن يستوي الحق والباطل والخبيث والطيّب والعالم والجاهل.

فما هي تلك المساواة التي ينشدها المعجبون بالغَرْب من رجال ونساء؟ هل يريدون أن يصب الرجال والنساء في قوالب اجتماعية واحدة فيتحرك الكل بنسق واحد، وينطلق الكل إلى واجبات محددة واحدة، ثم يتقلب الكلّ في نعيم مكرر لحقوق لا تخضع لأي تنوع أو تمايز، بحيث تسقط مما بينهم فوارق القدرات والامكانات ويظهر الجميع وكأنهم أحجار مرصوفة في حجم واحد وتربيعات واحدة؟

إن المساواة التي ينشدها الغَرْب «هي هذه المساواة الآلية الحرفية، فبوسعهم أن ينشدوها ويبحثوا عنها فيما تنتجه المخاطر الآلية فقط، أما في عالم الأناسي فحتى الرجال فيما بينهم والنساء فيما بينهن، بل حتى الطبقة الواحدة في مجتمع الرجال والطبقة الواحدة في مجتمع النساء، إنما يتساوون من حيث إنسانيتهم الواحدة، في مبدأ تحمل الواجبات ومبدأ ممارسة الحقوق ثم إنّهم يتفاوتون في ذلك كلّه تفاوتهم في القدرات والملكات والاختصاص والامكانات، فالتساوي المبدئي ناظر إلى وحدة الإنسانية فيما بينهم جميعًا، والتفاوت التطبيقي ناظر إلى الحكمة الربانيّة التي اقتضت بعد ذلك أن يتفاوتوا في القدرات ويتنوعوا في الخصائص والملكات» [1] .

وعلى هذه النظرة شرّع الشَّارِع التكاليف الشَّرْعية، و أناط الحقوق والواجبات للرجال والنساء، فحين تكون التكاليف الشَّرْعية أي الحقوق والواجبات حقوقًا وواجبات إنسانية تجد الوحدة في التكاليف الشَّرْعية، فلا تباين ولا اختلاف بين الرَّجُل والمرأة في الحقوق والوجبات، وحين تكون هذه الحقوق والواجبات وهذه التكاليف الشَّرْعية تتعلق بالذكورة والأنوثة وبطبيعة كل منهما في الجماعة وموضعه في المجتمع، تكون هذه التكاليف الشَّرْعية متنوعة بين الرَّجُل والمرأة لأنها لا تكون علاجًا للإنسان مطلقًا، وإنما علاجًا لنوع من الطبيعة الإنسانية هي الذكورة والأنوثة.

ولذلك جاء الإسلام بأحكام متنوعة خصّ الرجال ببعضها وخصّ النساء ببعضها، وميّز بين الرجال والنساء في قسم منها وأمر أن يرضى كل منهما بما خصّه الله به

(1) البوطي: المرأة بين طغيان النِّظَام الغَرْبيّ ولطائف التشريع الرباني، ص (95) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت