الأمير كمعصية الرسول، وكمعصية الله، والتشدد في الطاعة ولو كان الحاكم عبدًا حبشيًا. فهذه كلها قرائن تدل على أن الطلب طلب جازم فتكون طاعة الحاكم فرضًا ولو كان ظالمًا [1] ، ولو كان فاسقًا، ولو كان يأكل أموال الناس بالباطل، فإن طاعته واجبة، لأن الأدلة مطلقة غير مقيدة، فتبقى على إطلاقها» [2] .
على أنه قد وردت أحاديث تدل على وجوب الطاعة ولو ظلم، ولو كان فاجرًا، فقد روى هشام بن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم وإن أساءوا فلكم وعليهم» [3] وروى البُخَارِيّ عن عبد الله بن مسعود [4] قَالَ: قَالَ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون بعدي أَثَرَة [5] وأمورًا تنكرونها قَالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قَالَ: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم» [6] . قَالَ ابن تَيْمِيَّة: «فأمر مع ذكره لظلمهم بالصبر وإعطاء حقوقهم وطلب المظلوم حقه من الله ولم يأذن للمظلوم المبغي عليه بقتال الباغي في مثل هذه الصور التي يكون القتال فيها فتنة» [7] .
(1) قَالَ الحسن البَصْرِي عن الأمراء في عصره: «هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا» فالجور والظلم لا يغني تضييعهم للدين، والمبرر لعدم الخروج هو استقامة الدين بهم رغم جورهم وظلمهم لأن في استقامة الدين صلاحًا عظيمًا ينغمر في جانبه الظلم والجور، ولذلك قَالَ بعد ذلك «والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون» فإذا لم يستقيم بهم الدين وكان ما يفسدون أكثر ممن يصلحون فقد فقدوا مبرر وجودهم. فكل المبررات التي يقدمها العلماء لعدم الخروج على الإمارة الفاجرة، إنما تدور على حفظ الدين، فليست الإمارة الفاجرة في اصطلاحهم، هي التي تضيع الدين وتفسد دنيا المسلمين، فهذه ليست بإمارة أصلًا.
(2) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: نظام الحكم في الإسلام، ص (237 - 238) .
(3) رواه الطَّبراني في المعجم الأوسط، (6/ 247) ، وسُنَن الدَّارَقُطْنِيّ (2/ 55) ، ومجمع الزوائد (5/ 218) ، ونصب الرَاي ة (2/ 26)
(4) عبد الله بن مسعود، هو عبد الله بن مسعود الهُذَلي كان إسلامه قديمًا هاجر الهجرتين وصلّى القبلتين، وشهد المشاهد كلّها مع الرسول، وتوفي بالمدينة، سنة (32 هجرية) . انظر: أُسد الغابة، (3/ 384) .
(5) الأثرةَ: المنزلة وتفضيل الإنسان نفسه على غيره. والمراد هنا يستأثر أمراء الجور بالفيئ، المعجم الوسيط، ص (5) .
(6) رواه البُخَارِيّ (9/ 59) كتاب الفتن باب قول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أمورًا تنكرونها.
(7) ابن تَيْمِيَّة: الاستقامة (1/ 35) .