والملك والإمام الذي يحتكر المعرفة، ويفعل في شعبه ما يشاء، ويختص بالاتصال بالله تعالى. ثم تدثرت هذه المعتقدات لديه من أجل تقريبها إلى العامة، بفكرة الإمام المعصوم أو الغائب المنتظر.
نفس المسار العقدي والفكري تقريبا سارت عليه جماعة"إخوان الصفا وخلان الوفا"؛ ومحور فكرهم السياسي أن العقل خليفة الله الباطن ورئيس الفضلاء. والإمام عندهم هو وحده المتصل بالفلك الأقصى أو العقل الفعال أو واجب الوجود، وهو صورة الصور وخليفة الله الظاهر في الأرض، والمتحكم في الجن والإنس والحيوان والنبات والمعادن والخيرات، وهو المعصوم من الخطأ، كلامه وحي وأعماله سنة، وله أن يفسر النصوص قرءانًا وسنةً؛ فيخصص عامها ويقيد مطلقها ويؤول معانيها وينسخ بعض أحكامها، ويضيف إلى شريعتها. كما أن من معتقداتهم الباطنية التي لا يبوحون بها لغيرهم أن الإمام بمنزلة العقل الفعال أو الموجود الأول، في حالة عدم وجود الناطق الذي هو النبي، لأنه يحل محله في رتبته. وفي حالة وجود النبي يحمل الإمام عندهم مرتبة النفس الزكية؛ وهو لديهم في عالم الدين والصنعة النبوية الرئيس الروحي الأعلى، ووجوده ضروري في كل زمان، ليكون حجة الله في أرضه والضامن لعباده التسرمد والخلود.
هكذا نشأت في صدر الدولة العباسية فكرة الحكم المطلق لدى فلاسفة المسلمين كافة؛ ولئن كان الحكم الفردي المطلق قائما قبل ذلك منذ سقوط الخلافة الراشدة؛ فإنهم قد سبقوا إلى تبريره فكريا وفلسفيا والتشريع له عقديا ودينيا. وكانوا يستطيعون أن يلتزموا الموضوعية والتوازن فلا يكتفوا بعرض آراء مدرسة الاستبداد الأفلاطوني، بل يعرضون بجانبها آراء المدرستين الأرسطية الدستورية والرومانية القانونية. ولو فعلوا لكسروا على الأقل الحلقة المفرغة التي حاصرت المسلمين بين نظامين استبداديين، نظام الملكية الوراثية الجبرية عند أهل السنة، ونظام الإمامة الاستبدادية الوراثية عند الشيعة والباطنية؛ ولاقتربوا بذلك شيئا ما، من المفهوم الإسلامي للحكم الذي يرى أن المجتمع مجموعة أفراد أحرار متساوين في الحقوق