ـ {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ـ النساء 105 ـ.
ـ {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ـ المائدة 42 ـ.
ـ {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} ـ الأنبياء 78 ـ.
هكذا وردت سائر الآيات بمعنى البث والفصل والقضاء، لا بمعنى تحكم فرد أو جماعة في فرد أو جماعة، ولم تقسم الأمة إلى حكام ومحكومين كما ذهب إليه الفقهاء والمتكلمون وعامة السياسيين.
ولئن كانت أحكام الكتاب والسنة طالت قسطا هاما من تصرفات الإنسان، فإن الشارع الحكيم ترك مجالا واسعا يحكم فيه الناس بطريق الإنشاء وبكامل حريتهم، تحت نظر الشريعة قواعد ومقاصد ومصالح؛ هذا المجال جعله الله عز وجل ملكا لهم وتحت سيطرتهم وتسلطهم، وهو المقصود بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38.
والحكم بهذا المعنى القرآني يتخذ صورتين:
صورة القضايا التي بثت فيها الشريعة وحسمت بطريق الإلزام.
وصورة القضايا التي تحكم فيها الأمة شورويا بطريق الإنشاء.
وما يعنينا في هذا البحث هو الصورة الثانية، أما الصورة الأولى فالناس فيها مجرد منفذين للأحكام الشرعية.
على هذا فالحكم الإنشائي يعني تسلط الناس على أمرهم الدنيوي بطريق الإنشاء، وقد حوى في هذا المجال بمضمونه وإيحاءاته، كل المعاني اللغوية الحقيقية والمجازية والشرعية والاصطلاحية؛ فهو منع لأمر الناس من الفساد، وحَكَمَتُهُ التي تضبطه تبعا للمفهوم اللغوي الصرف، وهو قضاء فيه بمعنى الحكم عليه والفصل فيه، وهو القاعدة التي وُضعت له والحكمة التي رشَّدت التصرف فيه.