واكتفى الجويني في"غياث الأمم" [1] بأن يكون أهل الاختيار من (الأفاضل الذين حنكتهم التجارب وهذبتهم المذاهب، وعرفوا الصفات المرعية في من يُناط به أمر الرعية) .
كذلك شروط العدالة والعلم والرأي، كان الخلاف حولها واسعا بين متشدد ومتساهل. وهي على العموم صفات نسبية حسب العصور ومقاييس الاختيار وظروفه. وإن كانت العدالة لا مجال للخلاف حولها، لأنها مشترطة في جميع المسلمين، والأصل في المسلم العدالة.
أما عدد أهل الحل والعقد، فمجال الاختلاف فيه أيضا واسع، وشتات الرأي حوله متشعب.
وعلى رغم ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من اشتراط إجماع أهل الحل والعقد في أمر الخلافة؛ فإن جمهور الفقهاء والمتكلمين على مذهبين:
الأول أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة، وفي ذلك قال الجويني في"غياث الأمم" [2] : (مما نقطع به أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة بالإجماع .. فاستبان من وضع الإمامة استحالة اشتراط الإجماع في عقدها فهذا هو المقطوع به) واستدل على ذلك بما جرى في خلافة أبي بكر الذي صحت بيعته قبل الإجماع عليها، فقضى وحكم وأبرم وأمضى وجهز الجيوش وعقد الألوية وجر العسكر إلى مانعي الزكاة، وجبى الأموال وفرق منها، ولم ينتظر في تنفيذ الأمور انتشار الأخبار في أقطار الإسلام وتقرير البيعة من الذين لم يكونوا في عاصمة الدولة. وكذلك جرى الأمر في خلافة عمر وعثمان وعلي.
والمذهب الثاني أنه لم يثبت توقيف في عدد مخصوص تنعقد به الإمامة، ولا وجه لإثبات ذلك من كتاب أو سنة أو أثر. وإذ لم يقم دليل على عدد لم يثبت العدد بانعدام الدليل. وإذ انتفى الإجماع وبطل الدليل فُتح باب الاجتهاد والخلاف
(1) - الصفحة 50
(2) - الصفحة 52،53