والظنون؛ وعلى هذا النهج الخالي من القطع لانعدام الدليل، سار الفقهاء والمتكلمون، كل يحاول تحديد عدد مخصوص، والاستدلال عليه بشبهة قياس أو خاطرة استحسان، إذ لا مطمع لهم في كتاب أو سنة أو إجماع.
ذهب أبو يعلى في"المعتمد في أصول الدين" [1] إلى أن ظاهر كلام أحمد أن الإمامة لا تنعقد إلا بجماعة أهل الحل والعقد، ودليله ما رُوي عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد". قال أبو يعلى: (فمنه دليلان أحدهما أنه ندب إلى لزوم الجماعة، فاقتضى ذلك أنه غير مندوب إلى لزوم غير الجماعة. وهذا المعنى لا يوجد عند الواحد. والثاني قوله:"إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد"وهذا موجود في عقد الواحد، ولأن الإمام يجب الرجوع إليه ولا يسوغ خلافه والعدول عنه كالإجماع. ثم ثبت أن الإجماع يُعتبر في انعقاده جميع أهل الحل والعقد، وكذلك عقد الإمامة له. ولأنه ليس قول من قال:"تنعقد باثنين"بأولى من قول من قال:"تنعقد بالجماعة") .
ولئن كان رأي كثير من المالكية على رأي الحنابلة، فإن الشافعية خالفوهم في ذلك، فرأى الماوردي [2] أن الإمامة تنعقد بمن حضر مجلس عقدها، مستشهدا ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ولم يُنتظر قدوم غائب. كما ذهب بعض الشافعية أيضا إلى أنها لا تنعقد بأقل من أربعين، لأنها أشد خطرا من صلاة الجمعة التي لا تنعقد بأقل من أربعين.
وقال أهل البصرة وبعض آخر من الشافعية إن أقل ما تنعقد به خمسة، يجمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضى الباقين، قياسا على بيعة أبي بكر التي كانت بخمسة، هم عمر وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن الحضير وبشير بن سعد وسالم
(1) - نصوص الفكر السياسي الإسلامي ليوسف أيبش ص 212
(2) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 7