وفي حال القياس على عقود البيع، يكون الإمام وأهل الحل والعقد قد باعوا ما لا يملكون، وولي العهد قد اشترى ما لا حق له في تملكه ممن لا يملك. والعقد باطل أيضا.
وفي حالة القياس على العقود بين طرفين تعلقت بها مصلحة طرف ثالث هو الأمة، كما في قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير في العقود المدنية، فإن قواعد هذه العقود تشترط موافقة الغير، أي الطرف الثالث الذي هو أولى بتقدير مصلحته. وهذه الموافقة مفتقدة في عقد التولية وهو بذلك باطل أيضا.
كما أنهم جعلوا الإعفاء والاستعفاء من هذا العقد الذي تعلقت به مصلحة الغير، بيد الإمام وولي عهده فقط. وهذا أيضا خروج عن قواعد العقود المدنية والأمة ليست قاصرة أو سفيهة لينوب عنها غيرها. بل هي معصومة من الخطأ كما قرر ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ قال:"لا تجتمع أمتي على ضلالة".
أما القول الفصل في الموضوع فلا بد فيه من استناد إلى نص من كتاب أو سنة أو إجماع، أو قياس صحيح، وهو ما لم يتوفر مطلقا في ما ذهبوا إليه.
ذلك أن النص إن ثبت فلا بعده قول لبشر، صحابيا كان أو تابعيا، مجتهدا أو مقلدا. وقد وجدنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف، وأجمع الصحابة على ذلك، واقتدى به في الأمر كل من عثمان وعلي، وعلمنا أن ما فعل أبو بكر وعمر كان لرأي رأياه مما ذكره علي رضي الله عنه، ونقله ابن كثير في تاريخه [1] ، وكان داعيهما إلى ذلك الضرورة وإلحاح المسلمين إشفاقا من الفتنة. كما أنهما لم يترخصا ويستخلفا إلا بعد أن بيّنا حكم العزيمة في الأمر وهو عدم الاستخلاف.
ورأينا كيف أن فعل أبي بكر إذ استخلف واحدا، لم يعمل به عمر الذي جعلها شورى في ستة، وأن فعل الشيخين لم يعمل به عثمان وعلي، إذ لزما العزيمة في أمر الاستخلاف. بل إن عبد الرحمن بن عوف عندما عرض البيعة على
(1) - ج 5 ص 250