وقول الصحابي عند انعدام النص على أحوال، تقتضي أحيانا الأخذ به إذا صحبته قرينة تدل على أن له أصلا من كتاب أو سنة، وتقتضي أحيانا أخرى عدم الأخذ به إذا لم تتوفر هذه القرينة. يقول الشوكاني [1] :"اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر. وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم. واختلفوا هل يكون حجة على من بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم على أقوال: الأول أنه ليس بحجة مطلقا وإليه ذهب الجمهور، والثاني أنه حجة شرعية مقدمة على القياس، وبه قال أكثر الحنفية، ونُقل عن مالك وقديم قولي الشافعي، والثالث أنه حجة إذا انضم إليه القياس".
إلا أننا في أمر التولية لسنا أمام قياس يؤكد قول الصحابي أو فعله، ولكننا أمام سنة نبوية مستفيضة هي عدم الاستخلاف، ونص قطعي الثبوت والدلالة من القرآن الكريم، فسرته السنة النبوية الصحيحة القولية والفعلية، هو قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38
كما أن الصحابي ليس له أن يؤول السنة النبوية الظاهرة في معنى معين إلى غير معناها، لأننا نتعبد برواية الصحابي لا برأيه. وفي هذا يقول الشوكاني أيضا [2] :"أن يكون الخبر ظاهرا في شيء فيحمله الراوي من الصحابة على غير ظاهره، إما بصرف اللفظ عن حقيقته، أو بأن يصرفه عن الوجوب إلى الندب، أو عن التحريم إلى الكراهة، ولم يأت بما يفيد صرفه عن الظاهر؛ فذهب الجمهور من أهل الأصول إلى أنه يُعمل بالظاهر ولا يُصار إلى خلافه لمجرد قول الصحابي أو فعله. وهذا هو الحق لأننا متعبدون بروايته لا برأيه. والحمل على خلاف الظاهر فيما ليس من مسارح الاجتهاد قد يكون وهما، فلا يجوز اتباعه على الغلط. بخلاف العمل بما يقتضيه الظاهر، فإنه عمل بما يقتضيه كلام الشارع فكان العمل به أرجح".
كما أن الإجماع في فنون العلم كما يقول الشوكاني [3] هو إجماع أهل ذلك الفن العارفين به دون غيرهم، فالمعتبر في إجماع المسائل الفقهية قول جميع الفقهاء وفي المسائل الأصولية قول جميع الأصوليين، وفي المسائل النحوية قول جميع النحويين. لذلك فالمعتبر في قضايا الإمامة وهي من قضايا الناس جميعا هو قول جميع الأمة، ولذلك اختصها الله بجميعهم في قوله عز وجل {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38.
أما القياس على فعل غير المعصوم، فليس إلا توظيفا ساذجا وإساءة استعمال لأحداث التاريخ، من أجل تبرير احتكار السلطة ومصادرة أمر الأمة؛ إذ من بدهيات الشريعة أن السنة النبوية إن صحت ـ وقد صح أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف ـ فلا مهرب منها إلى قول قائل أو فعل فاعل. وهو ما شرحه بوضوح الشوكاني إذ قال عن رأي الصحابي [4] :"والحق أنه ليس بحجة، فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيا محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وليس لنا إلا رسول واحد وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كلامه وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فكلهم مكلَّفون بالتكاليف الشرعية وباتباع الكتاب والسنة. فمن قال إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة نبيه وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به وهذا أمر عظيم وتقول بالغ، فإن الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله أو قولهم حجة على المسلمين، يجب عليهم العمل بها وتصير شرعا ثابتا مقررا تعم"
(1) - إرشاد الفحول للشوكاني ص 243
(2) - إرشاد الفحول للشوكاني ص 59
(3) - المصدر السابق ص 88
(4) - إرشاد الفحول للشوكاني ص 243