والحرية. ولكنها في معظمها كانت شفوية لم تواكبها دراسات فكرية سياسية تشرح ركائزها ومنطلقاتها ووسائلها وأدواتها، وحلولها للقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي عانتها فترة التأسيس والتسيير والتدبير. وهذا أمر طبيعي في تلك الفترة التي كانت فيها الأمة بأجمعها شفوية الثقافة والتفكير. لذلك لم يصلنا عن هذه التجربة إلا أخبار وآثار قولية وعملية قابلة لأن تكون من مراجع الدراسات المعاصرة الرشيدة.
كما أن هذه التجربة لم تُعْطَ فرصة الاكتمال والنماء، وإتمام إقامة المؤسسات الشوروية قرارا وتنفيذا ومراقبة في جميع المرافق، بما يحفظ بقاءها ويضمن استمرارها. فقد اعْتُبِطَتْ في شرخ الشباب، وانقلبت عليها الملوكية العربية المتأثرة بالنهج الجاهلي.
أما التجربة الملوكية فقد كانت في مبدأ أمرها عربية، متأثرة بعادات الجاهلية وتقاليدها وأعرافها في السلطة والحكم، على يد بني أمية وبني العباس والفاطميين. ثم تحولت سلطنة عجمية، مملوكية وسلجوقية وبويهية ... ، وكلها تغرف من مستقى واحد، هو الحكم الفردي المطلق، المبرر أحيانا بالنصوص المنتقاة المؤولة، وأحيانا أخرى بمجرد النطع والسيف.
لا شك في أن هذه المحصلة التي بين أيدينا، عن الفكر السياسي لدى المسلمين، تثير في النفس الأسى والحسرة والألم، وإن كانت تحفزنا إلى مضاعفة الجهد لتدارك ما فات، وإصلاح ما اختل من أوضاع البلاد والعباد. فهي تبين بوضوح تام عجز العقل العربي والإسلامي عن وضع تصور متكامل لما أرشد إليه القرآن الكريم والسنة المطهرة في مجال العلوم السياسية ونظم الدولة. كما توضح أن الفكر السياسي للمسلمين كان طيلة عهده عالة على غيره استيرادا وأسلمة، فلم يطور ما اقتبس ولم يتخذه خميرة لإنضاج ما لديه. وأنه عاش حياته في ركاب الحكام وخدمتهم لتكريس سلطتهم والقضاء على معارضيهم وأعدائهم. وأنه في صحوته المعاصرة ظل سجين المحبسين: محبس التراث الفقهي البشري، ومحبس الديموقراطية الليبرالية