فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 356

إذا استخرجه من مصدره، ثم أطلق لفظ المشار على مصدر العسل، أي الخلية أو الوَقْبَة أو الجُبْحُ.

ونظرًا لأهمية العسل في حياة العربي وقيمته الغذائية ونُدْرته، اشتق من هذا اللفظ كلمة"أشار"بمعنى أَوْمَأَ بيده، أو عينه، أو حاجبه، وكأنما العسل هو أهم ما يستحق الإيماءَ والإشارة.

ثم نُقلت الكلمة بالتدريج وعلى مراحل من معناها المادي ـ استخراج شيء مادي هو العسل، من شيء مادي هو الخلية ـ إلى معنى تجريدي راق هو استخراج الرأي الصائب والفكرة الصالحة، والهدي النافع من عقول الناس وتجاربهم وتصوراتهم، وكأنّما العقول خلايا نحل، وكأنما آراؤهم عسل يُستخرج منها للغذاء والاستشفاء.

وبذلك عرفت اللغة العربية كلمات جديدة، مثل: أشار عليه، شاوره، استشاره، مَشُورة، مَشْورة، شورى، وكلها تدل على تبادل الرأي والنصح والإرشاد والاسترشاد، والهداية والاستهداء؛ حتى إن العربي الموغل في بداوته عرف بفطرته ولغة قومه هذه المعاني الجليلة فذهب إليها، والتزم بها دون تعقيد أو جدل أو فلسفة؛ وقد دعا أحد الخلفاء واحدًا من بني عبس وسأله عن سر انتصاراتهم فقال الأعرابي:"نحن ألف رجل بألف رأي".

ولا يذهب بنا القول إلى ادعاء أن الشورى ـ مبنى ومعنى ـ من خصائص العربي واللغة العربية، ولكن من المؤكد أن العربية تكاد تكون اللغة الوحيدة، التي نمت فيها هذه اللفظة ـ شورى ـ نموًا طبيعيا، ضاربا في أعماقها التاريخية والاجتماعية والثقافية، فاكتسبت بهذه الأبعاد العميقة مرونة وشمولية أداء، تَنْدُران في اللغات الأخرى التي انتحلت لمعانيها كلمات لم تستطع أن تستوعب مداليلها المادية والمعنوية والنفسية والروحية والاجتماعية.

ثم جاء الوحي والسنة النبوية المطهرة فرفعا هذا اللفظ ـ شورى ـ إلى صعيد مصطلح ديني ودنيوي، يتعذر على المرء الاستغناء عنه بلفظ آخر عربي أو دخيل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت