فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 356

مهما تكلف واحتال وتَمَحَّلَ. ثم كان التطبيق النبوي الذي بلوره نظاما سياسيا يجعل أمر الأمة بيدها، تتخذه قرارا، وتصدره للسلطة التنفيذية ملزمًا.

واستمر الحال على هذا المنهاج إلى أن تم الانقلاب عليه بالقضاء على الخلافة الراشدة؛ فأنشأ الحكام المتسلطون حركات ثقافية للتعتيم على المفاهيم السياسية الإسلامية وتمويهها، بما يبرر انفرادهم بالسلطة؛ ولم يتورعوا في حركتهم هذه عن وضع الأحاديث الكاذبة، وتفسير بعض آيات القرآن الكريم بغير معناها، كما هو الشأن في الحديث الموضوع الذي يجعل الحاكم ظلا لله في الأرض، وفي تفسير قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة 30، بأن فسقة الحكام وفجارهم وكفارهم خلفاء لله سبحانه ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا ـ.

فمهّدت هذه الشروح لنشوء أنظمة حكم استبدادية ظالمة سلبت الأمة أهم حقوقها الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، واحتكرتها بيد الحكام وبطانتهم من الوزراء والمستشارين، والكتبة، والغلمان والجواري والخدم وعلماء السوء، والمماليك؛ فتحولت القصور والمؤسسات بذلك إلى حلبات لصراع الأهواء والمصالح الشخصية والنفوذ الأجنبي، والأمة الإسلامية إلى سوق للرقيق بيد نخاس، يسومها سوء العذاب، يذبح أبناءها، ويستحيي نساءها، ويبدد أموالها، ويتاجر بأعراضها.

ولئن كانت الخلافة الراشدة قد اكتسبت شرعيتها من كونها امتدادا اختياريا حرًا للرعية، عقيدة وشريعة وتشاورا، تقريريا وتنفيذيا، فنالت بذلك محبة الأمة وطاعتها واحترامها.

ولئن كان الخليفة الراشد الخامس، عمر بن عبد العزيز ـ على رغم فقدانه لشرعية العقد الإنشائي باختياره من لدن جميع الأمة ـ قد اكتسب محبة الأمة واحترامها وتقديرها وولاءها بسلوكه وعدله وتقواه، وإيثاره الرعية على نفسه وولده، ورده المظالم، وثورته على انحراف بني أمية؛ فإن هؤلاء الأمراء الظلمة قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت