فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 356

بقومه، وهي الآصرة التي تشد الأجيال البشرية المتعاقبة ببعضها، وتجعل بناء الخلف متمما لبناء السلف وامتدادًا له.

الشورى مركوزة في صميم الفطرة السوية التي أبدعها العليم الحكيم، وجعل الإنسان بها سميعًا وبصيرًا، ومتكلمًا ومفكرًا، يتوق مع بني جنسه إلى الحرية والانعتاق والكمال والكرامة، ويبحث معهم عن طرقها الكامنة في جذور الشورى الإسلامية بإطارها الإيماني. الشورى فطرة رشدها الوحي وأصول الشريعة، وهى بذلك عنوان كرامة الإنسان {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .. } الإسراء 70، ألهمها الله أنبياءه عليهم السلام ودربهم عليها فمارسوها، وبشروا بها، ورغبوا فيها. ثم توارثتها الأجيال من بعدهم، مسلمها وكافرها، فمورست إيمانية ربانية، ومورست مجردة من ركائزها العقدية، وجنى الممارسون ثمارها على قدر صواب التطبيق وحجم أخطاء التنفيذ.

والشورى ـ بعد هذا ـ حرية ومسؤولية، لأنها عنوان حرية الاختيار، ورمز الشجاعة والإقدام على تحمل مسؤولية هذا الاختيار؛ فالحرية والمسؤولية بذلك فطرتان في النّفس البشرية السوية، تتكاملان مع فطرة التشاور وتؤديان إليها، بل إنهما في كثير من الأحيان، تلخصان جوهر الشورى في معادلة رياضية دقيقة يمكن أن تكون تعريفا لها وحدًا، ذلك أن الشورى بهذا المعيار اختيار جماعي حر، وتحمل طوعي لمسؤولية هذا الاختيار.

ولقد بدأت مسيرة الفطرة البشرية في اختيارها الحر، وتحمل مسؤولية اختيارها، من موقفين ضاربين في أعماق الغيب، في الملإ الأعلى، ذكرهما الوحي في آيتين كريمتين، أولاهما: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب72.

وثانيتهما: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت