فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 356

ثم أطلعنا ـ برحمته ـ على مشهد حواره مع الملائكة عند خلقه آدم ـ عليه السلام ـ تعليما لنا وتربية وترشيدًا في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة 30.

ثم لم يترك ـ سبحانه وتعالى ـ الناس فوضى في هذا المضمار، وإنما هداهم بواسطة الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إلى منهج الشورى وطرائقها. وكما أعطانا المثل في حواره مع الملائكة، ضرب لنا المثل باستشارته الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر أمته، تطييبا لخاطره وتعليما لنا ـ وهو سبحانه غني عن ذلك ـ فيما رواه حذيفة قال: (غاب عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما، فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة فظننا أن نفسه قد قبضت منها، فلما رفع رأسه قال:"إن ربي تبارك وتعالى استشارني في أمتي: ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب، هم خلقك وعبادك. فاستشارني الثانية، فقلت له كذلك، فقال: لا أحزنك في أمتك، وبشرني") .

واستمر التدرج بهم إلى أن بلغ مبلغ الكمال الممكن للتجمع البشري، الذي وضعت أسسه سورة الشورى، والسنة القولية والفعلية والتقريرية للرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وعلى رغم تأرجح المسيرة البشرية في الأرض بين الكفر والإيمان، فإنها في فترات ضلالها وكفرها بقيت متشبثة ببعض معالم الشورى، ولكنها كانت تطبقها بغير إطارها الإيماني، وبأساليب خاضعة ـ في غالب الأحيان ـ لأهواء الملوك والأباطرة، وجَنَتْ منها بعض الخير الذي يناسب مقدار التطبيق ومنهجه؛ من ذلك بلقيس التي استشارت ملأها ـ مجلس شوراها ـ عندما ألقي إليها كتاب سليمان ـ عليه السلام ـ: قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِي قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَاسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت