فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 356

الحضيض، ويرتكس في حَمْأَة الخزي واللؤم والفساد، والظلم والنذالة، على رغم ما يمكن أن يكون لديه من ظروف مواتية، وقدرات كافية، وشعارات براقة مرفوعة، وأهداف لماعة منتحلة؛ لأنه يسقط في التناقض بين القول والفعل، مهما كابر وادعى. والأمثلة على ذلك كثيرة من حال الأمة الإسلامية المعاصرة التي تتبادل أكثر دولها ـ علمانية ودينية، تقدمية ورجعية ـ اللاجئين إليها كما تتبادل الخراف والبضاعة، بل يبلغ ببعضها الانحطاط والخسة إلى تسليم مواطنيها للأجنبي، وترتكس في الظلم والعسف ارتكاسا يجعل بعض رعاياها يفتقدون الأمن في أغلب بلدان المسلمين بسبب مواثيق التسليم وعقود التعاون الاستخباري، فيضطرون للّجوء إلى الكيان الصهيوني، وأمم الغرب المسيحي.

وبذلك تفكك المجتمع المسلم وتمزق طوائف متناحرة، وحلت بدوله الهزائم في كل ميادين الإصلاح والدفاع، وأصبح حكامه عبيدًا أذلة لكل أمة يتوهمون قدرتها على حمايتهم ومساعدتهم على البقاء. مما يوضح قاعدة أساسية في الاجتماع البشري هي أن الغلبة والنصر والتمكين والقوة لا تتحقق لأي دولة إلا بمقدار ما يتوفر فيها من مبادئ الشورى وضعية كانت أو إيمانية. ويؤكد هذا واقع الدول الغالبة في هذا العصر، التي وفرت لشعوبها حدًا أدنى من الكرامة والعدل بممارسة نوع من الشورى الوضعية الشكلية، وحال دول الظلم والاستبداد في بلاد المسلمين المنهزمة أمام مجوس الهند، ويهود الشتات، ونصارى الغرب، وعباد الوثن في إفريقيا، و"المتعنترة"على الأطفال والنساء والشيوخ والعراة والجياع والمرضى من مواطنيها.

ولهذا أنزل الله ـ سبحانه وتعالى ـ تشريع الشورى، جزءًا من آية واحدة، تشتمل بسياقها القَبْلِي والبَعْدي على أهم مبادئ الإيمان، والعدل، والأخلاق، والعبادة، يتلقاها المؤمن فيجد فيها توجيها ربانيا نحو مجتمع متكامل تمثل فيه الشورى جزءًا من كلّ؛ فقال تبارك وتعالى:

فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت