وظل الرسول - صلى الله عليه وسلم - طيلة حياته الكريمة يدرب الناس على ممارستها، ويحرضهم على الالتزام بها، ويعطيهم من نفسه القدوة ـ وهو غني عنها بالوحي ـ إلى أن توفاه الله سبحانه ولم يصادر حريتهم في الاختيار؛ فوضع - صلى الله عليه وسلم - بذلك أخطر ركيزة سياسية، وأهم آلية لممارسة الشورى بعد انقطاع الوحي بوفاته عليه السلام. لكن كثيرًا من المسلمين بعده - صلى الله عليه وسلم - لم يستوعبوا هذه الدروس والعبر والتوجيهات؛ أعماهم الهوى والجهل، وحب السلطة والصراع على المنصب، وأضلهم المال وبهرج الدنيا؛ فنشأ في الفقه الإسلامي خليط من الاجتهادات المغرضة، والفتاوى المنحرفة، وتاه الفقهاء صادقهم وكاذبهم إلا من تولته العناية الإلهية، في هذا الركام الفقهي المضطرب، ما بين قائل بحق الحاكم في الاستئثار بالسلطة، وقائل بالإمام المعصوم، وقائل بوجوب الشورى، ومدع عدم إلزاميتها، ومنتحل الشرعية لمجالس الشورى أو أهل الحل والعقد، أو البرلمان، أو الشيوخ، أو الممثلين، أو النواب ...
ولعل من أبرز العوائق التي حالت دون الفهم الصحيح لموضوع الشورى الإيمانية، وتطوير منهج سليم لممارستها، ما أنتجه هذا الركام الفقهي المضطرب الذي انتصب حاجزًا بين محاولات البعث الإسلامي الحديث، وبين حقائق الكتاب والسنة وتوجيهاتهما الرشيدة؛ ونشير إلى بعض هذه العوائق فيما يلي:
العائق الأول:
عدم القدرة على التمييز الدقيق لما يعنيه لفظ"الأمر"الوارد في الكتاب والسنة فهو أحيانا يرد منسوبا إلى الله تعالى، فيكون من معانيه الحكم والإذن والقضاء والدين {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} ـ آل عمران 154 ـ، {بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} ـ الرعد 31 ـ، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} ـ الأحقاف 25 ـ، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ـ الأحزاب 36 ـ، {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} ـ النحل 1 ـ. وهو بهذه المعاني لا مجال فيه للشورى، وليس للإنسان إلا التسليم والسمع والطاعة، كما