إخوتنا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك"، فرد عليه سعد بن عبادة:"كذبت لعمر اللّه، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل"، فرد عليه أسيد بن حضير:"كذبت لعمر الله لنقتلنه"، فتثاور الحيان ـ الأوس والخزرج ـ حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يُخَفّضُهُمْ حتى سكتوا، وسكت الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ثم بعد حين حسم الأمر بالوحي الإلهي، ونزل قوله تعالى مُبرّئًا أم المؤمنين الطاهرة الطيبة: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ـ النور 11."
وهذا دليل آخر في السنة النبوية على أن الشورى لجميع المسلمين بما فيهم النساء ـ بريرة ـ، والغلمان ـ أسامة بن زيد ـ. وقد روى البغوي بسنده عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ، أنها قالت:"ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
هكذا كان هدي القرآن الكريم، وتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأقواله وأفعاله وتصرفاته في أمر الشورى التي هي قوام نظام الحكم، وأسلوبه العملي لتنظيم سلطة المسلمين على أمرهم. وعندما اختار - صلى الله عليه وسلم - الرفيق الأعلى لم يكن قد اتخذ للأمة مجلسا للشورى، ولا لأهل الحل والعقد، ولا لأهل الرأي، ولا للنواب أو الممثلين أو الشيوخ أو البرلمان، ولم يأمر بذلك أو يرشد إليه، وإنما ترك الأمر شورى بين جميع المسلمين يتبادلون الرأي، ويتخذون القرار، ويَنْبَروُن لتنفيذه كل حسب قدرته وخبرته.
العائق الثاني:
عدم التمييز بين حدود النبوة وحدود البشرية في بعض تصرفات النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ذلك أنه عليه السلام في الأمور الدينية كان يتصرف بطبيعته النبوية الخالصة، وفيما عداها كان يتصرف بطبيعته البشرية، تطييبا لقلوب قومه، وتأليفا لنفوسهم، وتهدئة لروع بشريتهم أمام أنوار معصوميته. فكان يستشير كافة المسلمين في