القضايا العامة، وأفردا منهم في القضايا الخاصة، وفي كل ذلك كان يتصرف في دائرة رسالته الطبيعية التي هي تدريب الناس على تطبيق ما أنزل إليهم، ويؤسس بذلك أمة يراد لها أن تقيم الشهادة. وما استشارته للخواص إلا في أمور دنيوية تحتاج الى خبرة ليست لدى غيرهم، أو إلى قدر من السرية يمنع وصولها الى العدو، في ظروف حصار الجاهلية، وطور التأسيس الحرج.
وقد استغل بعض وعاظ السلاطين ما ورد عن استشارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أفرادا بعينهم دون المسلمين، فأفتوا بأن للحاكم أن يبث في قضايا الأمة وحده، أو يستشير الآحاد دون أن يلتزم برأيهم، متجاهلين أن الحكام لا يقاسون على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن التصرفات البشرية للنبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن إلا لتعليم الناس وتربيتهم، تحت رعاية الله وعنايته وتوجيهه بالوحي والإلهام؛ وهو غني بربه ـ سبحانه ـ عن الشورى في كل أموره وأمور المسلمين. واستشارته أفرادًا أحيانًا لا تُلغي حق المسلمين الذي نزلت به الآيات البينات، وأوضحته السنة النبوية التي كادت تبلغ حد التواتر في الأمثلة السابقة وفي غيرها.
العائق الثالث:
عدم التمييز بين مجتمع إسلامي في طور التأسيس في العهد النبوي، ومجتمع إسلامي تكامل بإتمام الرسالة وانتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى؛ مجتمع أفراده مازالوا حديثي عهد بالإسلام، وقد خرجوا فجأة من جاهلية كان الرجل فيها يصنع آلهته، ويَئِد ابنته. والنبي - صلى الله عليه وسلم - مطالب بأن يبني بمثل هؤلاء أمة هي خير أمة أخرجت للناس، تكون وسطا وشاهدًا وهاديا لهم إلى صراط مستقيم؛ وعليه أن يطهر البناة ويزكيهم، ويعلمهم ويدربهم ويبني بهم ويجاهد بهم في آن واحد؛ ودون أن يتأثر البناء سلبًا بضعف خِبْرَة البنائين وقلة مهارتهم. ولذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستشيرهم في حدود طاقتهم الاستيعابية، ويرفع قدرتهم على التفكير والتحليل والاستنتاج والاستنباط متدرجًا بهم من البسيط إلى المركب، ومن الجزئي إلى الكلي ومن المثال إلى القاعدة، ويشجعهم على اتخاذ القرارات، وتحمل مسؤولية