فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 356

اختياراتهم سلبا وإيجابا برفق وتؤدة، حتى إذا بلغوا سن الرشد وتحول البناة المبتدئون إلى عباقرة، واكتمل نزول الوحي، ودّعهم - صلى الله عليه وسلم - واختار الرفيق الأعلى، وبدأت بذلك المرحلة الراشدية التي كانت مدرسة نموذجية لأجيال المسلمين المتعاقبة، ونبراسا يُحتذى به، ومشكاة يستضاء بنورها.

وقد استغل بعض المغرضين هذا الفرق بين المجتمعين، المجتمع المتنامي في طور التأسيس، والمجتمع المتكامل بعد تمام الوحي والتربية النبوية، فأخذوا يتصرفون في السنة النبوية قولًا وفعلًا وتقريرًا، بأسلوب انتقائي، ويختارون منها ما يتيح لهم تبرير مصادرة أمر المسلمين، وتأويل تصرفات الحاكمين.

العائق الرابع:

عدم توخي الحذر والدقة عند استنباط الأحكام من النصوص، ما تواتر منها وما اشتهر وما صحّ أو ضعف، أو كان حول قاعدة كلية أو قاعدة جزئية، أو كانت به علة بالمتن أو السند، أو كان يتعارض مع القرآن الكريم، والتصرف من خلال ذلك بعقلية من يبحث عن حجة توافق هواه.

والحال أن الأحاديث النبوية المتعلقة بالحكم والسياسة، لم يصلنا منها إلا النزر اليسير بسبب إرهاب الحكام وجبروتهم؛ وما بلغنا منها أنهكه بعض المحدثين الموالين للأنظمة القائمة، تنقيبا عن العلل ومبررات الجرح، وما عجزوا عن تضعيفه وإعلاله أحاطوه بمرويات أخرى ضعيفة أو بيّنة الوضع والنكارة من أجل صرفه عن معناه، ثم أجهزوا عليه بأقوال نُسبت الى الصحابة أو التابعين ـ رضي الله عنهم ـ مثل ما نُسب لابن عمر ـ رضي الله عنه ـ من قول:"نحن مع من غلب"، وما لم يجدوا له حديثا صحيحا يلوى عنقه، استشهدوا له بحديث ضعيف أو بيّن النكارة، مثل ما فعله بعضهم عند محاولته تكريس مفهوم احتكار الشورى، اعتمادا على حديث لا يصح، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرجه الدارمي، قال: أخبرنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت