عليه عند الشافعي باطل أيضا؛ لأن الصحيح أنه لا يجوز للأب أن يجبر ابنته على الزواج؛ لأن هذا مخالف لنص الحديث المذكور"."
وهكذا بعد أن انتزعوا"أمر"المسلمين منهم، وجعلوه بيد الحاكم، بدعوى أنه وليّ الأمة الإسلامية، أو البكر التي إذنها صماتها!؛ زادوا الطين بلة فاختلفوا في حكم نتيجة هذه الشورى المبتدعة، وذهب بعضهم إلى أنها ملزمة إذا ما (أقدم) عليها الحاكم و (تورط فيها) طواعية. ورأى بعضهم أنها مجرد استطلاع لرأي بعض الفقهاء المقربين والموالين وليس عليه العمل بها، لأنه سيُحاسب وحده يوم القيامة، وعليه أن يعمل برأيه الذي يحاسب عليه، لا برأي الآخرين الذين لا حساب عليهم.
إن كلمة"أولي"في اللغة العربية ليست بمعنى أولياء، ولكنها اسم جمع بمعنى"ذوي"، وواحده"ذو"على غير قياس، فلا واحد لـ"أولي"من لفظها، وذلك مثل: الخيل مفردها حصان، الإبل مفردها: جمل، والنساء مفردها: امرأة. ومعنى الآية الكريمة: {وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} هو:"ذوي الأمر أو أصحاب الأمر"، وهو نفس المعنى للفظ"أولي"في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} ـ الإسراء 5 ـ، وقوله: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} ـالفتح 16 ـ، وقوله: {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَاسٍ شَدِيدٍ} النمل 33 ـ، وقوله: {وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} ... الأنفال 75 ـ.
إن أولي الأمر في هذه الآية الكريمة هم المسلمون عامة كما يفسر ذلك قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38. ولو كان المعنى: إطاعة الحاكم وأن الأمر له، لقيل:"وأطيعوا الرسول وذا الأمر منكم"، لأنه لا يكون في الزمان الواحد والمكان الواحد عند الفقهاء إلا إمام واحد، أما وقد وردت الآية {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} بالجمع، أي ذوي الأمر وأصحابه، فلا يمكن حملها على الحاكم؛ لأن حمل الجمع على المفرد خلاف الظاهر.
ولعل مما يجعل معنى الآية ملتبسا على بعضهم، اعتبارهم أن حرف الجر"من"في قوله تعالى: {وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} للتبعيض، في حين أنها وردت هنا لبيان الجنس، لا للتبعيض، كما في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} ـ الفتح 29 ـ، وفي قوله تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} ـ النور 55ـ، وقوله تعالى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ} ـ الحج 30 ـ، وقوله تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} ـ الكهف 31.
وبما أن علامة"من"البيانية أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها، أي أن يصح وقوعها صفة لما قبلها، وأن يناسب وضع"الذي"موضعها، فنقول:"الرجس هي الأوثان"، ونقول:"الأساور هي ذهب"، ونقول أيضا:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين هم أنتم"، ونقول أيضا:"أولو الأمر"هم ضمير الخطاب في"منكم"أي:"أولو الأمر الذين هم أنتم".
ثم إن الأمر بالطاعة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأولي الأمر، جاء مطلقا وعلى سبيل الجزم. وكل ما ورد الأمر بطاعته على سبيل الجزم والإطلاق لابد أن يكون معصومًا؛ والرسول - صلى الله عليه وسلم - معصوم، والحكام غير معصومين؛ بل إن آحاد المسلمين كلهم غير معصومين. والعصمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تجعل إلا لإجماع الأمة في قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تجتمع أمتي على ضلالة"؛ فجاز أن يحمل تعبير"أولي الأمر"على إجماع المسلمين في قضاياهم الدنيوية [1] ، أي ما تنعقد عليه كلمتهم بعد تشاورهم؛ كما فعل عمر بن الخطاب في أرض سواد العراق. لا سيما والحديث المذكور في غاية
(1) - التفسير الكبير للفخر الرازي 10/ 144