ومن ذلك أحكام المعاملات المالية التي أجمل القرآن أسس الإباحة والتحريم فيها {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة 274، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} البقرة 277، {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة 188. ثم ترك للسنة النبوية أمر تفصيل مجملاتها تحريما للغش والرشوة والاحتكار والاستغلال، وبيانا لما يعد ربا وما لا يعد، وتوضيحا لأحكام العقود وشروطها، صحيحها وفاسدها وباطلها.
ومن ذلك أحكام التدبير العام مما لم يجمله ولم يفصله القرآن والسنة، من قضايا النشاط السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي عاما وخاصا، وجعله مجالا آخر للابتلاء والاختبار، وليس ذلك تفريطا أو غفلة أو إهمالا.
ذلك أن الحياة الدنيا في شقيها الإلزامي والطوعي تعبيد وعبادة؛ ولئن كانت الأحكام الشرعية العملية موضوعة لاختبار الطاعة والامتثال الحرفي للأوامر والنواهي، مما يجعلها تعبيدا تنفيذيا ملزما، فإن التكليف بواسطة حرية التنظيم الذاتي للنشاط الدنيوي المسكوت عنه، وبوضع قواعد تدبيره وتنميته، ابتلاء آخر طوعي تبرهن به الأمة على صدق استعدادها ورغبتها في تعبيد هذا الصنف من النشاط لربها، بإقامة أمر الإسلام العام، الذي يتم به نوره ويمكن به لأوليائه؛ فتكون بذلك حياة الأمة ذات شقين متكاملين، شق العبادة التنفيذية للأحكام الشرعية، وشق العبادة التصرفية المرسلة؛ على أن يخدم الشقان معا هدفا واحدا تتم به العبادة الكلية، التي هي إقامة خير أمة أخرجت للناس، ضمن دولة شاهدة، وخلافة على نهج النبوة.
إن التشريع الإلهي لم يفرط أو يهمل أو يغفل شيئا، ولكنه وزع مهام البلاء المتعلقة بالعبادة بين جهات الاختصاص؛ فما كان منه تعبيدا بمجرد الامتثال في مجال العقيدة والأحكام جعل عليه القرآن والسنة دليلا، وما كان تعبيدا اختياريا لابتلاء