الإرادة والرشد والنوايا في القضايا الدنيوية المسكوت عنها، جعله من أمر الأمة تسلط عليه، وتقرر فيه بمقتضى قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38.
إن هذا الصنف من الابتلاء نهج قرآني في التربية والتأهيل، مثال ذلك التصرف في مال اليتيم، فلا يعطى ماله إلا إذا علمت نجابته وتمام ضبطه ورشده، بأن يدفع إليه شيء من ماله يباح له التصرف فيه وتنميته، فإن أحسن الإنفاق والكسب وجب على الوصي تسليم ماله كله إليه. وهذا ما بينه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَاكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} النساء 6.
وقد نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وفي عمه، ذلك أن رفاعة توفي وترك ابنا له صغيرا، فأتى عم ثابت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟، فأنزل الله هذه الآية.
أما عن الاعتراض الثاني فإن مصطلح"مصادر التشريع"قد استعمل فعلا مرادفا لمصطلح"أدلة الأحكام"، من قبل عدد من الفقهاء المعاصرين، مثل الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابيه"علم أصول الفقه"و"الاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح"، والشيخ عمر عبد الله في كتابه"سلم الوصول لعلم الأصول"، والشيخ مصطفى شلبي في"الإسلام عقيدة وشريعة".
إلا أن هؤلاء الفقهاء لم يميزوا تمييزا دقيقا في إطلاقهم مصطلح"مصادر التشريع"بين ما هو خاص بالأحكام العملية وما هو خاص بأحكام السياسة والاقتصاد والإدارة والتدبير العام فيما لم يرد به نص أو إجماع ولا مجال للقياس فيه والاستنباط.
وقد لاحظنا أن بين المصطلحين"أدلة الأحكام"و"مصادر التشريع"فرقا جوهريا لابد من اعتباره عند استعمال كل منهما. ذلك أن المقصود من المصطلح