لقد أثبتت سلفا تجربة الحكم الراشدي أن الاكتفاء بالشفوية في التشريعات الإنشائية، وعدم تحويلها إلى مدونة ملزمة ذات جزاء، لا يوفر لمؤسسات الدولة ضمانات الاستمرار والمناعة ضد الانهيار. وقد ظل تسيير الشأن العام طيلة التاريخ الإسلامي إلا في حالات نادرة، شفويا وخاضعا للاجتهاد الآني، الذي سارع إلى الضمور والتقلص بمجرد ما التحم في العصور المتأخرة بالفكر القانوني العلماني المعقلن، فاضطر المسلمون إلى تعريب الدساتير والقوانين الوافدة، ومحاولة أسلمتها وإقحامها في التشريع الإسلامي. ثم عندما لم تثمر هذه النبتة في ديار المسلمين، عادوا على الإسلام نفسه باللائمة ودعوا إلى التحلل من تعاليمه؛ وغاب عنهم أن الخلل المؤدي إلى عقم المستوردات الغربية في أرضنا ومجتمعنا ليس إلا في منهج تفكيرهم، واضطراب طريقة تعاملهم مع واقع أمتهم.
ذلك أن الفكر الغربي بحكم نشأته وتطوره في بيئته وتاريخه وتصوراته الدينية والفلسفية، يصبح لأهله وفي وطنه سهل الفهم معروف المقاصد، مرنا قابلا للتعديل والتطوير، لاعتماده على مخزون ذاكرته التاريخية وتراث ماضيه، ورصيد مخيلته وتصوره لمستقبله وأهدافه. إلا أن هذه المميزات الإيجابية تغيب وتفتقد عند نقله إلى أمة أخرى مختلفة التاريخ والتجارب والبيئة والدين والفلسفة والأهداف حينئذ يكتسب الفكر المنقول الرتابة والجمود، لانفصاله التام عن ماضي البيئة الجديدة وحاضرها ومستقبلها، ورصيد تجربتها وضميرها ومشاعرها وجاذبية آمالها.
إن بلورة نظام سياسي وتدبيري رشيد مدون وملزم، بواسطة التشريع الشوروي المتكامل أمر ضروري لقيام دولة الإسلام الشاهدة. إلا أن لهذا التشريع قيودا وضوابط لابد من توفرها ليكون مأذونا فيه، أي منتسبا إلى الكتاب والسنة مرتبطا بهما بآصرة الإذن الوارد في قوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} الشورى 35.
من أهم هذه الضوابط والقيود: