فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 356

هكذا يستبعد الشاطبي الأدلة النقلية عن مجال مسالك الكشف عن المقاصد لأنها في نظره إما قطعية الثبوت متنازع في قطعية دلالتها، أو ظنية لا يستند إليها. والشريعة قطعية لابد أن تبنى على قطعي. والقطعي في نظره هو ما يسفر عنه استقراء الأدلة الكلية والجزئية وما تنطوي عليه من الأمور العامة، مما لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض ينتظم من مجموعها القطع. وهذا منه توهين واضح للنصوص وفتح لباب يتيح للعلمانيين والشيوعيين المتدثرين برداء الحداثة والعصرنة الدعوة للتحلل من الدين وإهدار ما هو معلوم منه بالضرورة.

هذه الازدواجية في النظر إلى الأدلة، بالتردد بين الأخذ بالنقل الذي عده كله ظنيا في المسألة، أو الأخذ بالاستقراء الذي عده قطعيا، أدت إلى ما لوحظ من اضطراب وخلط وتناقض أحيانا؛ إذ يبدو الفقيه أحيانا في بعض كتاباته سلفيا متشددا وحرفيا أقرب إلى الظاهرية، وأحيانا في فقه المقاصد مغاليا في الانفتاح المهدر للنصوص.

قد يكون ذلك راجعا إلى كون بدايته السلفية، تأثرت مع الزمن بظروف الأمة وانخفاض مستوى تدينها، وهيمنة الفكر اليوناني المعرب على الثقافة في عصره؛ وقد يكون بسبب الإحباط الذي تجرعه من فشل محاولاته الشاقة للأوبة بالمجتمع إلى الشريعة وأخلاق السلف، مما حدا به إلى نهج سبيل المقاصد، لما فيها من يسر واستدراج رفيق، وتهدئة للحملة المسعورة التي شنها ضده حكام الأندلس وبطانتهم من الفقهاء السادرين في غفلتهم. مهما كانت المبررات فإن نهجه في فقه المقاصد يعد تحكيما للعقل في النقل، وجسرا للتحلل من الدين، وسلاحا شاكيا يستخدم في كل عصر لمواجهة الصحوة الإسلامية وتيار الأوبة إلى الإسلام عقيدة ونظاما وشريعة حياة. ذلك لأن منهج الإسلام الحق يجعل أصول الدين وفروعه ومجملاته ومفصلاته وكلياته وجزئياته متلازمة وتحت حاكمية الكتاب والسنة؛ ولأنه بغير الأحكام الفرعية والجزئيات التعبدية يتحول الدين إلى مجرد شعارات ومبادئ لا جذور لها في الأرض، وبغير المجملات والكليات يكون تعاليم مبعثرة لا توجه حياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت