فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 356

ولئن قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ [1] :"إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم"؛ فإن ذلك في واقع الأمر وحكمة الله تعالى، لم يكن رزية؛ وليس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتم، أو يمتنع عن التبليغ. وليس موقف عمر ـ رضي الله عنه ـ رفضا للسنة النبوية، أو اعتراضا على توجيهاته - صلى الله عليه وسلم -، أو شكا في عصمته وهو يوجع؛ لأن ما دعاه إلى ذلك إلا الشفقة والحنو عليه - صلى الله عليه وسلم - والحرص على راحته. كما أن الواقعة كلها اختتام مشهود للرسالة المحمدية، واختبار نبوي كريم للصحابة الموكلين بمتابعة الدعوة ومواصلة الطريق، واستشهاد لهم على تمام التبليغ. وكأنه - صلى الله عليه وسلم - يسألهم بلسان الحال:"هل أنتم بعدي محتاجون إلى مزيد إرشاد وتوجيه وتوصية؟"، وكأنهم يجيبونه ضمنيا بأنهم تلقوا كفايتهم وتزودوا من القرآن الكريم بحاجة دنياهم وأخراهم، وتشبعت أرواحهم بنور النبوة التي بلغت الرسالة كاملة، وأدت الأمانة تامة، ثم اختارت لقاء ربها. ولقاء الرب عز وجل مهمة ليست بالهينة؛ فلتترك لاستعدادها ومعاناة شوقها ..."دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه".

هكذا تحمل المسلمون مسؤوليتهم، عند احتضار الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وشهدوا على أنفسهم عندما سُئِلوا تعريضا وتورية، فأجابوا تصريحا وحسما. وكأنما مشهد من ضمير الماضي وعمق الغيب يتجدد، إذ عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال {فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب 72.

6 -في يوم الاثنين، يوم وفاته - صلى الله عليه وسلم -، خرج عليه السلام في صلاة الصبح [2] . فكاد الناس يفتنون في صلاتهم فرحا، فتبسم - صلى الله عليه وسلم - فرحا لما رأى من هيئتهم في الصلاة. ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أنه قد أفاق من وجعه. وعند عودته إلى بيته - صلى الله عليه وسلم - نزل به الموت، فجعل يأخذ الماء بيده الشريفة ويجعله على وجهه

(1) -تاريخ ابن كثير 5/ 251.

(2) - الكامل لابن الأثير 2/ 218، السيرة ا لحلبية 3/ 466.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت