فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 356

وعلى رغم ما تشربته نفوس المسلمين الأوائل، من تعاليم إسلامية قيمة صهرتهم جميعا في أمة واحدة، فإن رواسب من الماضي وعاداته وأعرافه وتقاليده وحساسياته كان يذر قرنها بين الفينة والفينة؛ في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيعالجها - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة والموعظة الحسنة والوحي. أما بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فقد انفسح المجال لانفلاق نواة هذه الرواسب في سقيفة بني ساعدة، باتفاق بين الأوس والخزرج على احتكار السلطة، تداولا بينهما في إطار"منا أمير ومنكم أمير".

إن فكرة التداول على السلطة التي ابتدعها الأنصار في غاية النضج السياسي بالنسبة لعصرها؛ إذْ هي أساس النظم الديموقراطية المعاصرة. ولا أدري هل كان هذا المفهوم التداولي للسلطة معروفا في ذلك العصر وقبله أم لا. إلا أن الفكرة في حد ذاتها متقدمة على عصرها كثيرا. ولكن التداول يحتاج إلى مؤسسات سياسية متينة تحميه من الاحتكار والاستئثار، وهذا لم يكن متوفرا آنئذ. لذلك كان مآل ما اتفق عليه الأوس والخزرج أن يُنقض، مهما حسنت النيات ورسخ الوفاء في النفوس. وهو ما انتبه له الأوس عندما أُلقي في روعهم أن الخزرج إن تم لهم الأمر، سوف لن يتركوا للأوس نصيبا فيه؛ فنقضوا اتفاقهم مع الخزرج وآزروا المهاجرين فتمت البيعة لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ؛ ذلك أن خبر اجتماع الأوس والخزرج في السقيفة وما عزموا عليه ورد أبا بكر وعمر؛ فانطلقا إليهم صحبة أبي عبيدة بن الجراح، وكان الحوار الشهير المدون في كل كتب السير والتاريخ الإسلامي. وكان من أهم حجج القرشيين فيه:

ـ فضل أبي بكر وسنه، واحترام كافة المسلمين له، لاسيما وقد قدمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإمامة الصلاة في فترة مرضه الأخير.

ـ قريش أصلح لجمع شتات العرب في تلك الظروف العصيبة، لكونها أوسط دارا ونسبا ومقرا للكعبة ومنبتا للوحي والنبوة. فإن ولي الخلافة امرؤ من غيرها كانت الفتنة والردة. إلا أن أحدا لم يستشهد يوم السقيفة بنص من قرآن أو سنة على فضل أبي بكر أو غير أبي بكر، أو فضل قريش أو غير قريش، أو وصية لفرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت