فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 356

كذلك عثمان ـ رضي الله عنه ـ، كان له من الأقارب والأصهار، ومن بني أمية من قادة الجيوش وأمراء الشام ومصر، من هم قادرون على السيطرة والاستئثار بالسلطة والمغالبة عليها، ومع ذلك تمسك بالعزيمة ولم يستخلف.

والأمر نفسه لزمه الإمام علي؛ إذ لم يستخلف برغم إلحاح أصحابه عليه. فكانت بذلك العزيمة هي الأصل، وهي السنة التي ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عليها، وهي ما التزم به عثمان وعلي. وكانت الرخصة هي التيسير تلافيا لفتنة تعقبها ردة وهي ما فعله أبو بكر وعمر بتجرد دقيق تام، لا شبهة فيه لهوى أو غرض أو آفة محاباة أهل أو أقارب.

لقد كانت مقاييس الاختيار طيلة العهد الراشدي مبنية على أسس واضحة بيِّنة ثابتة، من أهمها:

1 -المساواة المطلقة بين المسلمين، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أحمر أو أسود إلا بالتقوى. وما ذُكر من اشتراط القرشية ليس له أصل في الشرع، إلا ما رُئي من مصلحة جمع شمل أو وحدة صف في ظروف عصيبة.

2 -مقياس"الأصلح"للمرحلة والحالة، وهو ما اختير له أبو بكر ثم عمر من بعده. ذلك أن التصرفات عند العقلاء تكون لجلب منفعة أو دفع مضرة. ودفع المضار مقدم على جلب المنافع. ودفع الضرر المظنون واجب، فما بالك بالضرر المستيقن؛ وهو ما كان الحال عليه عند اختيار أبي بكر وعمر. وقد حلف أبو هريرة ثلاثا [1] على أنه (لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبِد الله) . وأكد عمر مرارا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، وأنها كانت دفعا للفتن [2] :"... أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر". وعندما سُئل أبو بكر:"هل أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأحد؟"، قال [3] :"ودَّ أبو بكر أنه وجد عهدا"

(1) - ابن كثير 6/ 305.

(2) - السيرة الحلبية 3/ 383، ابن كثير 5/ 246.

(3) - ابن كثير 5/ 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت