فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 356

مثلا، يُعد كل ما يجلب العملة الصعبة إلى البلاد عدالة، حتى لو كان بيعا لأعراض الأمة أو انتهاكا لشرفها أو انتقاصا من سيادتها.

هذا في المجال النظري، أما في نطاق التطبيق العملي على أرض الواقع، فقد سُخرت النظرية الطبيعية لتوفير أوجه الرفاه والمتع الحسية وإشباع الغرائز والأهواء السائبة داخل المجتمع. وعُمِل بالنظرية النفعية في ميدان تسيير الدولة، والكسب فرديا وجماعيا. فصار كل ما يُرجى نفعه من أساليب ومعاملات وتصرفات عين العدالة وجوهرها.

أما النظرية الثالثة، الوضعية، التي تعطي الحق للأقوى، فقد استُخدمت لحماية التطبيق الفعلي في المجتمع والدولة للنظريتين، الطبيعية والنفعية. أي لحماية الأهواء والتسيب الفكري والسلوكي والاقتصادي بدعوى حق الحصول على السعادة، ضمن قاعدتي"الغاية تبرر الوسيلة"، و"القانون لا يحمي المغفلين".

هذه هي العدالة الممارَسة في المجتمعات البشرية منذ انعتاقها من ربقة الإسلام؛ سواء منه الإسلام الموسوي قبل تحريفه ونسخه، أو الإسلام العيسوي قبل تحريفه ونسخه، ثم الإسلام الخاتم المحمدي الناسخ، الباقي إلى يوم القيامة.

فما مدى عدالة الخلافة الراشدة في ظل هذه المفاهيم؟.

إن العدالة الوضعية التي تعطي الحق للأقوى تُعد في مفهوم العدل الإسلامي مرفوضة بكل المقاييس؛ لأن القوة لله وحده والبشر كلهم متساوون في الحقوق والواجبات، وهم إزاء الشريعة كأسنان المشط. والرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد ولد آدم يخاطبه ربه عز وجل بوصف العبودية {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الإسراء 1.

وفي قمة انتصاراته العسكرية وأدائه التبليغي وكثرة المؤمنين برسالته، ووفرة المال في دولته، يخرج إلى الناس في مرضه الأخير ويخاطبهم:"من كنت جلدت له"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت