بدل أن تدلي برأيها لمن يحكمها، وأن تقرر في قضاياها بدل أن تُستفتى فيها، وأن تكون لها على أمرها السلطة الكاملة والسيادة الاعتبارية والفعلية، سياسيا وقانونيا، تقريرا وتنفيذا، مراقبة ومحاسبة. بل إن أشد المتحمسين للديموقراطية والمنتقدين للنظم البرلمانية ـ جان جاك روسو ـ قرر استحالة مباشرة الشعب للحكم، ورأى أن يكتفي بتولي مهمة التشريع فقط.
أما الاستبداد، صريحا أو مغلفا بشكليات الديموقراطية، أيًّا كان مصدره، حزبا أو طبقة أو نخبة أو فردا، فإن أنظمته كلها تلتقي في صفاته الأساسية التي تنعدم بها الحريات وتُكمم الأفواه وتحتكر الأرزاق، ويتحول بها الإنسان إلى عبد حاجته الضرورية التي لا تدع مجالا للتفكير في أمة أو وطن أو كرامة أو حال أو مآل. ولا عبرة بما تلجأ إليه هذه الأنظمة بين الفينة والأخرى، من استفتاءات تأكيدية للولاء، أو انتخابات لهيئات نيابية تُطبخ نتائجها في إدارات الأمن والداخلية. لأن ذلك كله مجرد تمويه على واقع بئيس، ودعاية كاذبة لنظم تُنتهك فيها أبسط المعاني الإنسانية. ولأن القرارات السلطوية الحقة بيد القابعين خلف المجالس والمؤسسات الدستورية التي تُمرر منها هذه القرارات بمختلف ضروب التحايل والشيطنة والمقايضة، إذ المال بيد الحكام والفقر في حياة الشعب، والوفرة لدى النخبة والحاجة لدى العامة، سلاحان رئيسيان للكذب والتدجيل وتزوير الإرادات.
هذه أشكال النظم السياسية الوضعية التي عرفتها البشرية، فما مدى تطابقها أو تعارضها مع الخلافة الراشدة التي أسسها أبو بكر الصديق وبناها عمر الفاروق وانقلب عليها بنو أمية؟.
بادئ ذي بدء، ينبغي أن نبين خطأ الزعم بأن الخلافة الراشدة والديموقراطية المباشرة في أثينا سواء؛ لأن بين النموذجين فوارق شاسعة من أهمها:
1 -أن الخلافة الراشدة طبقت الشورى الجماعية ضمن المجتمع كله بجميع مواطنيه، أصليين وأجانب، أحرارا وعبيدا، نساء ورجالا، أغنياء وفقراء، بيضا