فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 339

مزيَّة القبول، فصار الحسد بهذا أول جريمة ظهرت في الأرض [1] .

قال ابن عبد البر [2] رحمه الله: «كان يقال: أول ما عُصي الله به في السماء والأرض الحسد والحرص، ذهبوا إلى أن إبليس حسد آدم فلم يسجد له، وحرص آدم على الخلود، فأكل من الشجرة، وحسد ابن آدم أخاه حين تقبل منه قربانه فقتله. وقد قال الشاعر:

كل العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد» [3]

والشاهد على أن هذا الداء العضال جالب للخطأ والزلل: حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب على حمار وأسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة .. فسارا حتى مرَّا بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول .. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة [أي: غبارها] خمّر ابن أُبيِّ بردائه وقال: لا تغبِّروا علينا، فسلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله .. وفيه أن ابن أُبيِّ قال لرسول - صلى الله عليه وسلم: لا تؤذنا في مجالسنا .. فأخبر الرسول بذلك سعد بن عبادة فقال سعد: أي رسول الله بأبي أنت أعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة [أي: أهل المدينة] على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردَّ الله ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت) [4] .

والشاهد في الحديث هو قول سعد بن عبادة في شأن عبد الله بن أبّي

(1) المرجع السابق نفس الصفحة.

(2) هو الإمام العلامة يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي، ولد يوم الجمعة الخامس والعشرين من ربيع الثاني سنة (368 هـ) ، حافظ عصره. قال الباجي: «لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البر في الحديث، اشتغل بالعلم، وحصل علومًا كثيرة، فهو من فقهاء الحديث، عالم بالقراءة والخلاف، أديب جليل» . قال عنه الذهبي: «من نظر في مصنفاته بان له منزلته من سعة العلم وقوة الفهم، وسيلان الذهن» . له عدة مصنفات أشهرها: الاستيعاب، التمهيد، بهجة المجالس، مات سنة (563 هـ) رحمه الله.

انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: 18/ 153، البداية والنهاية: ج 12/ 111.

(3) بهجة المجالس لا بن عبد البر 1/ 409.

(4) أخرجه البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب الرِّدف على الحمار حديث رقم (2987) ، وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وصبره على أذى المنافقين حديث رقم (1798) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت