ويقبلوا دعوته» [1] .
قال سبحانه وتعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [2] ، وكذلك قال سبحانه: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [3] ، حيث أمر الله النبي والمؤمنين أن يغفروا ويتجاوزا عن أخطاء المشركين، وهذا في مكة حتى جاء الإذن بجهادهم [4] ، نتيجة خطئهم الكبير وهو الشرك، وليس كلُّ خطأ يُعرض عنه، ويُتجاوز عن صاحبه، حيث هناك أخطاء في العقيدة، والعبادة لا مجال للإعراض عنها، إنما يُعرض عن أخطاء المعاملات الشخصية والأخذ والعطاء والصحبة والجوار، وخلاف ذلك.
ومن الأمثلة التي تجاوز فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بعض الأخطاء إعراضه - صلى الله عليه وسلم - عن خطأ الأعرابي الذي جَبَذه، فقد روى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أثَّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته ثم قال: مُرْ لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك ثمًّ أمر له بعطاء) [5] .
فاعتداء «الأعرابي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وجذب ردائه حتى حمرّ رقبته؛ خطأٌ على شخص النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - عفا وأعرض عن هذا الخطأ. رجاء تحقق مصلحة دعوية» [6] .
وفي فعله عليه الصلاة والسلام هذا، وإعراضه عن هذا الخطأ، تعليم للأمة عمومًا، وللدعاة خصوصًا أن يسلكوا هذا السبيل، ويعلموا أن الخطأ حاصل من الناس ولا بد، فلذا عليهم أن يعرفوا هذا الأمر ويرعوه حق رعايته.
(1) دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعراب ص 274.
(2) سورة الحجر آية رقم (94) .
(3) سورة الجاثية آية رقم (14) .
(4) انظر: دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعراب ص 270.
(5) صحيح البخاري كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطي المؤلفة قلوبهم حديث رقم (3149) ، ومسلم كتاب الزكاة باب إعطاء من سأل .. حديث رقم (1057) .
(6) دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعراب ص 279.