وأوضحوا أن «هذا المنهج هو المنهج الذي سار عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته حيث روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إنما نزل أول ما نزل منه - القرآن - سورة من المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا لا ندع الزنا أبدًا. لقد نزل بمكة - على محمد - صلى الله عليه وسلم - وإني لجارية ألعب {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [1] ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده) [2] .
وبهذا التدرُّج كان يوصي - صلى الله عليه وسلم - رسله، ويأمرهم إذا بعثهم للقيام بالدعوة؛ كما أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) [3] .
فينبغي أن يُبدأ بترسيخ الإيمان في النفوس أولًا؛ وتعليم الناس توحيد الله عز وجل، وتصفية نفوسهم وواقعهم من الشرك ومظاهره، ثم ينطلق الدعاة والمحتسبون إلى ما دونه من الأمور والتي تليه أهميةً .. وهكذا، كما قال أحدهم:
إن اللبيب إذا بدا من جسمه ... مرضان مختلفان داوى الأخطرا» [4]
قال النووي - رحمه الله - في شرح الحديث السابق: «المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - رتَّب ذلك في الدعاء إلى الإسلام وبدأ بالأهم
(1) سورة القمر آية رقم (46) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن حديث رقم (4993) .
(3) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب: أخذ الصدقة من الأغنياء وترد إلى الفقراء حيث كانوا حديث رقم (1496) ومسلم كتاب الإيمان باب الدعاء وإلى الشهادتين وشرائع الإسلام حديث رقم (19) .
(4) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه) خالد السبت ص 226. وما بعدها. وانظر: كذلك: فقه إنكار المنكر، بدرية البشر ص 161.