يقيّد مدحه بقوله: (أحسبه كذلك وحسيبه الله ولا أزكي على الله أحدًا) وذلك تأدّبًا مع الله تبارك وتعالى في ردِّ السرائر إليه؛ لأنه سبحانه {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [1] .
وعلَّق ابن حجر رحمه الله على الحديث بقوله: «قال ابن بطَّال: حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه، لم يأمن على الممدوح العُجبَ لظنه أنه بتلك المنزلة، فربما ضيّع العمل، والازدياد من الخير، اتكالًا على ما وصف به ... فإنه لا يأمن أنه يُحدث فيه المدحُ كبرًا، أو إعجابًا، أو يكله على ما شهره به المادح فيفتر عن العمل» [2] .
أما المدح المحظور، أو المذموم فهو ما انعدم فيه الصدق، أو صَاحَبَه النفاق، أو جعل الممدوح متكبرًا، أو ظالمًا، أو مرائيًا أو غير ذلك من صفات المعجبين بأنفسهم. وهذا النوع الذي عناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي مُعمَّر حيث قال: (قام رجل يثني على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثي عليه التراب، وقال: أَمَرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نحثي في وجوه المدّاحين التراب) [3] .
قال النووي رحمه الله: «هذا الحديث قد حمله على ظاهره المقداد الذي هو راويه، ووافقه طائفة، وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقة. وقال آخرون: معناه خيِّبوهم، فلا تعطوهم شيئًا لمدحهم، وقيل: إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا، ولا تعجبوا، وهذا ضعيف» [4] .
وللمدح المذموم والمحظور آفات كثيرة، ذكر بعضها الغزالي رحمه الله فقال: «في المدح المذموم ستُّ آفات أربع على المادح وهي:
1 -قد يفرط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كاذبًا.
2 -وقد يُظهر له من الحب ما لا يعتقده فيكون منافقًا.
3 -وقد يقول له ما لا يتحققه ولا سبيل إلى الاطلاع عليه فيكون مجازفًا.
(1) سورة غافر آية رقم (19) .
(2) فتح الباري: 10/ 493.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الزهد، باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط .. حديث رقم (3002) .
(4) شرح صحيح مسلم للنووي 6/ 418.