وكذلك ورد مثل هذا في قوله - صلى الله عليه وسلم - لوفد بني عامر لما قالوا له: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله تبارك وتعالى) قلنا، وأفضلنا، فضلًا، وأعظمنا طولًا، فقال: ... (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينّكم الشيطان) [1] .
فالنبي هاهنا أنكر عليهم قولهم: أنت سيدنا، وعلّل ذلك بأن السيد هو الله تبارك وتعالى، ثم سكت عن باقي المدح إعلامًا منه عليه الصلاة والسلام أنه صواب، ولا شيء فيه لكنهم ينبغي لهم أن لا ينساقوا وراء الشيطان في كثرة المدح.
وهذا الموضوع - إنكار الخطأ وقبول بقية الصواب - يدلّ على منهج النقد أيما دلالة حيث إن من تعاريف النقد اللغوية: أنه تمييز الدراهم عن غيرها، والنقر بالإصبع في الجوز [2] .
فكأن إنكار موضع الخطأ وقبول بقية الصواب كتمييز الدراهم بعضها من بعض لمعرفة الجيد منها والرديء، وكذلك النقر للجوز لمعرفة الصحيح منه، وغير الصحيح، ولذلك فقد استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج حتى في العبادات، فقد أقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الناس على بعض الأمور مع الإنكار عليهم في أمور، فدلّ ذلك على أن هذا المنهج هو من مناهج تصحيح الأخطاء، التي ينبغي لمن أراد التصحيح أن يعتني به، إذ ليس في كل أقوال وأفعال الناس خطأ عام، فهناك من الناس من يقول كلامًا، أو يفعل فعلًا، وليس بالضرورة أن كل كلامه خطأ، ولا كل فعاله خطأ، وإنما الذي يحتاج إليه أن يُعَدَّل له خطؤه ويصحّح له، ويبقي الصواب.
ولا شك أن مثل هذا التصرف يشعر المخطئ بإنصاف، وعدل القائم بالإنكار والتصحيح، ويجعل تنبيهه أقرب للقبول في النفس، بخلاف بعض المنكرين الذين قد يغضب أحدهم من الخطأ، غضبًا يجعله يتعدى في الإنكار يصل به إلى تخطئة ورفض سائر الكلام، بما أشتمل عليه من حق، وباطل، مما يسبب عدم قبول كلامه، وعدم انقياد المخطئ للتصحيح [3] .
(1) أخرجه أبو داوود كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح، حديث رقم (4806) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود برقم (4806) ، 3/ 181.
(2) القاموس المحيط مادة (نقد) ص 412.
(3) انظر: الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس: المنجد ص 66.