فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 339

أما الشاهد في موضوعنا، وهو إنكار موضع الخطأ وقبول بقية الصواب في أحاديث العبادة فمن ذلك ما يلي:

1 -حديث صفوان بن يعلى أن يعلى قال لعمر رضي الله عنه: أرني النبي - صلى الله عليه وسلم - حين يوحى إليه. قال: فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجعرَّانة - ومعه نفر من أصحابه - جاءه رجل فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمّخ بطيب؟ فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر رضي الله عنه إلى يعلى، فجاء يعلى - وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوب قد أُظلَّ به - فأدخل رأسه، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمرّ الوجه وهو يَغِطّ، ثم سُرِّى عنه فقال: أين الذي سأل عن العمرة؟ فأُتى برجل فقال: (اغسل الطِّيب الذي بك ثلاث مرّات، وانزع عنك الجبّة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّتك) [1] .

فالنبي عليه الصلاة والسلام صحَّح الخطأ عند ذلك الرجل لما جعل في ثوبه الطيب بغسله، ثم أمره بنزع الجبَّة، ثم أقرّه على سائر عمله، وأمره أن يصنع في عمرته كما يصنع في حجه.

واستُدلَّ بهذا الحديث، كذلك على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيًا، أو جاهلًا، ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه.

وهذا الحديث ظاهر في أن السائل كان عالمًا بصفة الحج دون العمرة، فلهذا قال له - صلى الله عليه وسلم - (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) [2] .

وفي هذا الحديث إشارة كذلك إلى هذا المنهج، وهو منهج النقد بإنكار محل الخطأ وتصحيحه، وهو غسل الثوب من أثر الطِّيب، ونزع الجبّة، ثم قبول باقي الأعمال كما هي صحيحة، حيث لم يُؤمر الرجل بالإعادة لما تقدم من أعماله في العمرة، كالتلبية، وانعقاد الإحرام، وغير ذلك.

ولأنه لم تلزمه الفدية ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بها، وقيل: لأنه أتى بهذه الأمور قبل نزول الحكم، ثم نزل الحكم بعدها [3] .

2 -حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى شيخًا يهادى بين ابنيه قال: (ما بال هذا؟) قالوا: نذر أن يمشي، قال: (إن

(1) أخرجه البخاري كتاب الحج، باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب حديث رقم

(1536) ، ومسلم كتاب الحج، باب تحريم الطيب في الحج، حديث رقم (1180) .

(2) انظر شرح صحيح مسلم للنووي 3/ 256 وكذلك فتح الباري: 3/ 462.

(3) انظر فتح الباري: 4/ 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت