-ومثل ما سبق: ما ورد عن رجل يسمى بأبي إسرائيل حيث نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) [1] .
فأنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - موضع الخطأ، وهو القيام، وعدم الاستظلال، والصمت، وصحّحه له، بحيث أمره بالكلام، والاستظلال، والقعود، وقَبِلَ منه الباقي وهو الصوم لأنه صحيح وهو من نذر الطاعة، ولا يشق ذلك
-الصوم - على الرجل.
وعلَّق ابن حجر رحمه الله على هذا الحديث بقوله: «وفيه - الحديث - أن كل شيء يتأذى به الإنسان، ولو مآلًا مما لم يرد بمشروعيته كتاب، أو سنة، كالمشي حافيًا، والجلوس في الشمس، ليس هو من طاعة الله فلا ينعقد به النذر، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمر أَبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره، وهو محمول على أنه عَلِمَ أنه لا يشق عليه، وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل» [2] .
3 -حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث يقول: أتى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حَجرين، والتمستُ الثالث، فلم أجده، فأخذتُ روثةً، فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الرّوثة، وقال: (هذا ركس) [3] .
فهذا الحديث يدلّ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر الخطأ. بل وبادر إلى ردِّه، وذلك لما ردَّ الروثه - التي نهى أن يُستنجى بها -، وقال: (هذا ركس) إنكارًا عليه فعله هذا. أي: «فكأنه قال: هذا ردٌّ عليك» [4] .
والركس هو: الرجيع وهو ردٌّ من حالة الطعام إلى حالة الروث [5] .
وبهذا يتبيّن أهمية منهج: إنكار الخطأ وقبول الصواب، كما سنَّ هذا المصطفى عليه الصلاة والسلام.
(1) أخرجه البخاري كتاب الأيمان والنذور باب: النذر فيما لا يملك وفي معصية حديث رقم (6704) .
(2) فتح الباري: 11/ 598.
(3) أخرجه البخاري كتاب الوضوء، باب: لا يستنجى بروث، حديث رقم (156) .
(4) فتح الباري: 1/ 310.
(5) انظر: المصدر السابق.